البلاد Vs تشويش الراديو
جنين رام الله وبالعكس- رحمة حجة

طالما حاولت، إيجاد تشبيه "محترم" لحال البلاد، التي نحب، ونكره، وتحبنا، وتكرهنا، وقد لا تربطنا بها أية مشاعر، سوى أننا ولدنا فيها وكأي شخص ولد في أي مكان، يحاول أن يعيش ويتعايش معه، أقصد عن العاديين منّا.
لكن أنسب وصف لها، توصلتُ إليه، على الأقل حتى كتابة هذا المقال، أنها رحلة المركبة العامة أو الخاصة ومدتها ساعتان، بين المدينتين: جنين، ورام الله. كيف ذلك؟ سأقول لك.
تخيّل/ي معي الآن هذه الرحلة، وصدقني حين أقول، بأن لا فرق بين الخيال والواقع سوى طريقة السرد، فلا شيء خيال، وكل شيء حقيقي، خارج تمركزنا حول الذات، وداخل اعتباراتنا بأن كائنات أخرى تجول في هذا الكوكب.
وحين الرحلة = البلاد، ستكون البلاد في مواجهة تشويش الراديو، من سيكسب الجولة؟ من ستهزمهُ المسافة، أو ربما الزمن؟
بيده اليُمنى، أدار السائق زر الراديو، واختار فاصلًا غنائيًا بين نشرتي أخبار، ويبدو أن هذه الفترة من النهار مخصصة لبناطيل الجينز الواسعة من الأعلى والضيقة في الأسفل مثنية الأطراف، والشعر المجعد الفوضوي، في التسعينيات، سيستغرب مواليد هذا الزمن الأغاني أو يسخرون في قرارة أنفسهم، بينما الحنين قد يتسامح مع ذاكرتنا المثقوبة، وفجأة، يتذبذب إرسال الإذاعة، ثم سريعًا تختفي، ويبقى الصوت العظيم "اشششششششششش....".
سيغير السائق المحطة بالتأكيد، فها هو يمدّ يده إلى الراديو، لكن، لا، إنه يلتقط الهاتف النقال خاصّته من الجرار بجانب الراديو، ويبدأ حديثًا طويلًا، ومثله مثل 87% من شعبنا الذين يتحدثون مع أقاربهم وأصدقائهم، تصل نبرة صوته إلى أقصاها، وكلام .. كلام، والـ "ششششش.." مستمر.
الجميع صامت، راكب يضع سماعة الأذنين في هاتفه المحمول، وآخر يتصفح على ما يبدو رسائل قديمة، لأنه يبتسم حينًا ويسرح حينًا آخر، بينما بدأ ثالث يغفو على "التشويش" وأنا بانتظار أن يطلب واحدٌ من البقيّة، تدوير زر الراديو، والبحث عن تردد مناسب لإذاعة أخرى.
"شششششششش..." مستمر، والجميع هادئ "والدنيا ربيع والحياة جميلة" وهكذا..
أنا أيضًا أغفو، فهذه فرصتي لقيلولة النهار، ورائحة الدخان العربي تتخلل أنفي، إذ سحب السائق سيجارته الثالثة، فيما لا يُدخن أحدٌ سواه، أما البقية، فبين من ألصق وجهه بالنافذة، ومن مثلي، غفا.
"شششششششش".. حتى مفترق "دير شرف"، الذي نجعله خلفنا من جهة اليمين، وبدأت مشاعر الاقتراب من جنين تتناثر في أجسادنا على شكل ارتخاء، وفي أنفاسنا على شكل ارتياح، فاليوم الطريق "بخير"، من دون توقيف على الحواجز، بينما الحواجز "الحمدلله"، مكانك "خليك مكانك".. لقد اعتدناها!
"ششششششش.." يصبح الصوت موسيقى تصويرية لمشهد مناولة السائق أجرة التاكسي، وإفلات أحزمة الأمان، والمهاتفات مع أفراد من العائلة للانتظار "أنا الآن في السيلة".. "انتظرني عند المحطة".. "تاكسي عرابة؟"..
يعود الصمت، وصوت "ششششش.." واضح وجليّ ومقبول واعتيادي، وفجأة، ولا أعرف إن كانت كلمة "فجأة" بمعناها الخالص هنا، تعود الإذاعة. يقول المذيع: "مساء الخير.. إليكم موجز الخامسة.."، ويرفع السائق الصوت، وتُبحلق آذان الجميع للأخبار، حتى يذكر "شهيد على حاجز زعترة بزعم محاولته طعن جنديين ومعاريف تؤكد مقتل أحد الجنود.." وقبل أن يُتمّ الموجز تتصاعد الأصوات والتحليلات والحوقلات والترحُم، ثم ينقطع الصوت مجددًا..
تعود "ششششش..." والآن، هي خلفية موسيقية للنقاش، الذي يهدأ بعد 10 دقائق، بينما لا تهدأ الــ"شششششش..." والسائق يحدّق بصمت أمامه، قبل وصوله دوار "عصفور"، حيث نزل أحد الركاب..
وبعد قليل، أي حين وصل "المجمّع"، التقى السائق بآخر، وتحدث معه عن أمور كثيرة، منها أن جميع المذيعين في "البلد" لا يأتون بشيء جديد، ولا يحلّون أي قضايا، بينما أنا في البيت، ألتهم الغداء، وتسألني أمي عن الأخبار وتقرأ لي خوفها علي بسبب العمليات، وأنا أسترسل في مدح "ظلّها العالي" في إعداد الطعام.
مواضيع ذات صلة
الأغوار تودع حارسها...
الأمين العام المساعد، رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، السفير مصطفى لـ"الحياة الجديدة": القضية الفلسطينية لم تعد ملفًا مؤجّلًا، بل اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي
يوم الصناديق في جنين
تحت قيود الاحتلال.. 70 ألف مصلٍ يحيون جمعة الأقصى
حين يقتحم إرهاب المستوطنين البيوت... صورة ليلة لا تنسى في بيت إمرين
عرب الخولي... ترحيل تحت وطأة التهديد والسلاح