الدليل على أن الحمار كائن مثقف
هادي جلو مرعي

يبالغ بعض المثقفين في الانعزال عن المجتمع، وتطبع سلوك البعض منهم فوقية مقيتة كأنهم آلهة الهند القديمة حين يسيرون على الأرصفة أو حين يقفون لنقاش ما، أو حين يجلسون في مقهى، أو يتنادمون في صالون أدبي، أو حين يمرون على مكان، أو يصادفهم مثقف، أو محترف لعمل ما، ولكنه لا يشبههم، فيتحولون عنه، ثم إن بعضهم ينسحب إلى مجموعة من المثقفين الذين يشبهونه، فيجاريهم في الحديث، ويبادلهم المودة، ويتحزبون مع بعض ولبعض، وينطلقون في آفاق معرفية لا يفهمها العامة من الناس، ولايطيقونها، ولا يجدون أنها مفيدة لحاضرهم، ولا لمستقبلهم، فالعامة يبحثون عن حلول لمشاكلهم، وليس عن مشاكل تبعد الحلول خاصة حين يأخذ البعض بالتنظير والفلسفة وبيع الكلام هنا وهناك، ولا يجدون ما يقدمون لعامة الناس الباحثين عن عمل وأمان وسياسة واضحة من حكومات لا تفقه بشعبها ولا تعرفه ولا تريد شراكته في تحديد مستقبله والسير معه في مسار واضح نحو أهداف العيش الكريم والكرامة والحرية.
لا يكفي أن تدعي الثقافة لكي تتكبر على المجتمع من حولك وتتصرف بوصفك سلطان زمانك، أو قديسا في معبد، فالمعرفة والعلم يتناغمان وينفصلان في آن، وليس من مصلحة المثقف التباهي بثقافته وهو عاطل عن خدمة مجتمعه، والتعاطي مع قضاياه ومشاكله، والتخلي عن مسؤولية البحث عن الحلول وحتى التضحية في سبيل ذلك باعتبار أن المثقف يفهم ما عليه، وما يتطلب منه دوره الحيوي الذي يفرضه عليه قبوله أن يدعي الثقافة، فهي ليست فقط معرفة أشياء من أشياء، وتعلمها، بل هي وصفة أخلاقية متكاملة، لأن التثقيف هو التشذيب والتهذيب، وإبعاد الفاسد من الأفكار والاعتقادات، والتطهر من الأدران والنقائص التي تعلق بالثوب والجسد حتى يعود معافى سليما من العاهات والعلل التي تتربص به لتعلق بما استطاعت من لباس وجسد، وحيث لا بد من التخلص من تلك النقائص.
المثقف هو الذي يمتلك من الوعي بالمجتمع والناس ما يؤهله لفعل شيء مختلف، ولا ينبغي أن يبتعد عن مسؤوليته الجسيمة تلك، فإذا تخلى عنه ترك مجتمعه بلا حام ولا ناصح ولا مرشد يوجهه إلى طريق الخلاص والوصول إلى الآمال والغايات العظيمة، ولعل أحدهم كان متحمسا للمثقف ومدافعا عنه برغم علله، لكنني قلت له: هذا ليس دليلا كافيا على الثقافة والوعي والمعرفة ما لم يكن من دور فالمخلوقات كلها مثقفة، وتعرف جيدا ما عليها أن تقوم به في الحياة غير أن ما يميز الإنسان هو العقل والحكمة. والحيوان لا يخطط كثيرا ولا يجتهد كما الإنسان الذي يدبر الأمور بعقله الواعي، وإلا فالحمار كائن مثقف لأنه يعلم ما عليه، والقرآن كان واضحا في ذلك بقوله: كل يعلم تسبيحه وصلاته.. وهي ثقافة المعرفة بعبادة الواحد الأحد الذي خلق الخلائق جميعها، وأوجد نظاما دقيقا لإدارة الكون، ولم يسمح لأحد من كائناته العبث بذلك النظام الثابت.
ينطلق المثقف بعد الإدراك الكامل لمسؤوليته نحو مجتمعه، ويتحرك وفقا لمصلحة ما له، أو لقومه ويحاول جاهدا تنوير مجتمعه الذي يمتلك من المسلمات ما يملأ مجلدات ويستنفد الحبر الكثير، فإذا قرر النكوص فهذا شأنه لأن المجتمع صعب المراس، ولديه الكثير مما يعيقه عن إدراك الحلول الناجعة التي تنتشل الناس من الظلام والتيه والفوضى، وتساعدهم في العبور إلى الضفة الآمنة من الحياة حيث تتاح لهم المزيد من الفرص، ويتمكنون مع العزيمة الراسخة من الوصول إلى الغايات المنشودة، بينما يبقى هو ساهرا يفكر كيف يديم زخم التحول ولا يسمح بالنكوص وليس مهما لديه نيل المكاسب والمناصب التي هي شأن آخرين فكم من ثوار وأبطال وزاهدين تحولوا مع التغيير إلى رجال مناصب وأموال وانفصلوا عن الناس الذين كانوا يرون فيهم قديسين وأدركوا بعد ذلك أن القديس ذاته هو إبليس.
------------
* كاتب عراقي
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل