في العادة لا أكتب لمدح أشخاص، وخاصة إذا كانوا أحياء، ولكن أيمن عودة هو أكثر من كونه شخصا، إنه فكرة، تعبير عن وعي وطني عميق يستند إلى معرفة عميقة بأدق ملابسات والتباسات القضية الفلسطينية، وهي قضية أعقد بكثير مما يتخيل الإنسان العادي وتحتاج إلى هذا القدر من الوعي والمعرفة، ولأنه يقدم هذا النموذج أكتب هذا المقال. في الداخل الفلسطيني بشكل عام، السياسيون والمثقفون الفلسطينيون، باستثناء امتدادات جماعة الإخوان، هم أكثر وعيا وعمقا ومعرفة بمدى فداحة التزوير في الرواية الصهيونية، والتي هي ليست يهودية وحسب بل هي قبل كل ذلك رواية الاستعمار الغربي وإمبرياليته، والسبب أنهم أي السياسيون والمثقفون على تماس فكري مباشر مع هذه الرواية، ويعيشون الظلم العنصري مع كل نفس يتنفسونه.
معرفتي بأيمن عودة الشخصية المباشرة تقتصر على عدد محدود من اللقاءات بوجود آخرين، وكان من الممكن لمس عمق وعيه، لكني أقرأ وأتابع مداخلاته في الكنيست وخارجه في وسائل الإعلام، وحتى تلك الشخصية منها، وفي كل مرة تزداد قناعتي بأنه يشكل نموذجا للوعي الوطني
المطلوب. بالطبع هذا لا يعني أن عودة السياسي لا نختلف معه في بعض الأحيان وفي المواقف السياسية. فمن يمارس العمل السياسي يحاول ويجرب ويناور وليس بالضرورة أن ينجح ويوفق بكلها، فهذا واقع الحياة وجوهر الحوار الديمقراطي، وربما إعلانه بأنه لن يرشح نفسه في أي انتخابات قادمة يضيف له نقاطا.
ما قد يلمسه المرء، هو معرفة عودة العميقة بعملية السطو الشاملة على تاريخ فلسطين وماضي الشعب الفلسطيني، على اعتبار أن من يحكم السيطرة على الماضي يسيطر على الحاضر والمستقبل، ويكتشف من يتابع هذا السياسي عملية الربط بين الهيمنة على التاريخ والماضي إنما هدفها تجريد الشعب الفلسطيني من حقه بالأرض. وحقه في تقرير المصير عليها.
من مربع الوعي هذا يمكن تفسير كل تفصيل من تفاصيل السياسة الإسرائيلية وممارساته. وكذلك مواقف الدول الكبرى الداعمة لإسرائيل والفكرة الصهيونية، ومن هذا المربع يمكن فهم إعلان "الاستقلال" الإسرائيلي عام 1948، الذي يمثل النص الأكثر وضوحا لعملية السطو على التاريخ وماضي الشعب الفلسطيني،
بهدف تبرير احتكار الحق بالأرض. ولاحقا كل القوانين العنصرية التي سنها البرلمان الإسرائيلي "الكنيست " وحتى قانون يهودية الدولة ومنع إحياء ذكرى النكبة. قانون يهودية الدولة وضّح بشكل سافر حقيقة الرواية الصهيونية، فالقانون حصر الحق بالأرض، كل الأرض من النهر إلى البحر وحق تقرير المصير عليها، "بالشعب اليهودي".
ويبدو مدى أهمية الإلمام بالدراسات التوراتية وكيف تمت صياغة تاريخ انطلاقا من الأسطورة وليس التاريخ الحقيقي بحد ذاته، وجعله وكما أنه هو تاريخ فلسطين مستبعدين كل ما هو خارج النص المقدس، أو إهماله والمرور عليه وكأنه شيء هامشي. هذا الإلمام يجعل من صاحبه يمتلك قدرا أكبر من وضوح الرؤية وعدم الانحراف عن الخط الوطني، وقدرة أكبر على المواجهة، فالسلاح الأمضى لمواجهة الصهيونية هو سلاح المعرفة. فهم، أي مؤيدو وداعمو الفكرة الصهيونية. كرسوا جهودا كبيرة ومالا هائلا، وخبراء ومؤرخين ولاهوتيين بهدف جعل الصهيونية قصة مترابطة.
ربما نحن الفلسطينيين ما قد نكون بحاجة إليه هو تفاعل أكثر وأوسع بين كل الساحات بهدف تكوين وعي أكثر عمقا وتماسكا يحمي وحدة الشعب الفلسطيني الداخلية، ويحمي مشروعه الوطني.
التفاعل يسمح بتبادل المعرفة بطريقة أفضل وتبادل التجارب وتوسيع دائرة النقاش والأهم توسبع الهامش الديمقراطي المستند إلى المعرفة والموضوعية، وفي هذا فرصة لعدم هيمنة الشعبوية من جهة، ومصادرة الحق بإبداء الرأي من جهة ثانية وهو الأمر الذي طالما كانت الحركة الوطنية الفلسطينية تعاني منه وينحرف مسارها وتضعف وتتراجع.
أشخاص مثل أيمن عودة وقادة سياسيين ومثقفين آخرين في الداخل الفلسطيني يمكن أن يسهموا في ذلك، والساحات الفلسطينية الأخرى هي بأمس الحاجة لهذه المعرفة والتجارب المباشرة في مقارعة الفكرة الصهيونية. وربما نحن بحاجة أكبر للخروج من دائرة المزايدات والشعبوية الفارغة، فهي مرض لعين صاحبنا في كل المراحل، وربما لخص الروائي الإنجليزي جورج أورويل الفكرة بقوله "من يسيطر على الماضي يسيطر على الحاضر والمستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي" ولعل محاولات نموذج أيمن عودة هي أن نعيد السيطرة على ماضينا لكي نتمكن من السيطرة على حاضرنا ومستقبلنا. لذلك وجب علينا أن نقرأ ما بين السطور أكثر وأعمق من السطور ذاتها.
والصراع بقدر ما فيه من تحد وكسر للإرادات، لكننا بالتأكيد نكون أقوى بكثير عندما نتسلح بالمعرفة، وهذا هو النموذج المطلوب.