عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 06 تموز 2023

سوداد- هاوية الغزالة

تغريدة الصباح- محمد علي طه

أهداني الأديب إميل حبيبي رئيس تحرير صحيفة الاتحاد في عام 1983 بعد عودته من الخارج في تلك الأيام نسخة من رواية "طريق البحر" للأديب فاروق وادي وطلب مني أن أكتب عنها مقالاً في ملحق الاتحاد الأدبي الذي كنت أحرره ففعلت ذلك إكراما لإميل حبيبي، وكنت قد قدرت كثيراً في تلك الأيام كتاب فاروق وادي "ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية" الصادر عن دائرة الإعلام والثقافة والمؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت 1981 ذلك الكتاب الذي "حاصر" الرواية الفلسطينية بثلاث روايات فقط لا غير لثلاثة مبدعين هم: الأديب الشهيد غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي وعلى الرغم من ظهور أعمال روائية فلسطينية جميلة لعدد من الروائيين الفلسطينيين خلال خمسين عاماً فما زال الدارسون والنقاد والباحثون يرددون مقولة فاروق وادي "ثلاث علامات" فقط لا غير مما جعل روائيا فلسطينياً معروفاً يشكو من هذا الحصار وهذا الظلم كما يراه.

لم أقرأ "منازل القلب" سيرة فاروق وادي التي أثنى عليها الأصدقاء الأدباء إلا أنني قرأت في الآونة الأخيرة رواية فاروق وادي الرائعة "سوداد- هاوية الغزالة" التي صدرت بعد رحيله المفاجئ، وهي قصيدة جميلة جداً تألق فيها فاروق وادي ممتطياً صهوة جواد الخيال، وظهر بعير الواقع، عابراً أرض النكبة والأحزان والبطولات ومتنقلاً من منفى إلى آخر.

وسوداد كما يكتب الفاروق وادي "كلمة برتغالية ليس لها وجود في أية لغة كونية أخرى غير البرتغالية، ولن نجهد أنفسنا في البحث عن رديف للكلمة في اللغات الإنسانية الحية التي تتزاحم فوق ألسنة البشر فلن نعثر على مفردة تترجم بدقة المعنى الحرفي الدقيق للكلمة أو تفيها حقها في المعنى والدلالة وما تنطوي عليها من عاطفة متشابكة، فسوداد هي الكلمة التي لا تتقبل أية مفردة تحل من لغة أخرى وتجهد لأن تناظرها". ويضيف فاروق وادي "بعض المترجمين إلى لغة الضاد أغوتهم التشابهات اللفظية فرأوا في الكلمة شيئاً من الجناس المضلل مع كلمة سوداوية العربية، بما تنطوي عليه المفردة الأخيرة من حزنٍ وكآبة، لكن سوداد هي شيء آخر لا ينحصر معناه بالسوداوية، فإذا قلنا إنها تعني الحنين قد نقترب خطوة من المعنى، وإذا قلنا نوستالجيا ربما نتقدم خطوة أخرى فد نقترب أيضاً من الشوق والاشتياق.

ولكن ما حكاية "هاوية الغزالة"؟ والهاوية هي السقوط من الأعلى إلى منحدر، فالأمير الفارس يطارد بسهامه الطائشة وحرابه المسنونة غزالة شاردة متفلتة تركض في الفلاة، غزالة تسابق بقوائمها النحيلة رياحاً بحرية عاتية تتحدى سرعة بروق تَعِدُ بمطر سوف يجيء، وفجأة ومن دون سابق إنذار تجد الغزالة نفسها وهي تهوي، تسقط من مرتفع صخري ناتئ الطرف.

يا لها من غزالة لا تخلو من بياض قلب وطيبة أو ربما من سذاجة، تأبى إلا أن تطمئن على قاتلها قبل أن تشهد نهايتها وهي تسقط في الجرف لتستقر في أعماق البحر.

هذه الرواية قصيدة رائعة يصعب تلخيصها وتشد القارئ من ألفها إلى يائها فيخرج من أجوائها مشدوهاً معجباً مردداً "هذه الأدب الزلال"، نحن لم نعش الحياة. الحياة هي التي عاشتنا بنفس الطريقة التي يرشف فيها النحل الرحيق.

وُلد فاروق وادي في مدينة البيرة عام 1949 وكتب القصة القصيرة والرواية والسيرة وأدب الأطفال.

هل شاهدتم الأديب فاروق وادي في شوارع البيرة وفي حقولها وفي حواكيرها وبين أشجار لوزها وشجيرات كرمها؟

محظوظ من رآه ومحظوظ من قرأ روايته سوداد.