عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 19 حزيران 2023

التربية العصرية وتحديات التنمية

ناريمان يوسف

إن المجتمعات التي جعلت من مشاريعها التربوية أُسُساً للتحديث والتنمية المستمرة، بنت قواعدها على أسس متينة وصلبة، واصبحت موجّهة للمشاريع الحضارية المهمة لأبناء شعبها، حيث استطاعت ضمن فلسفة تربوية شمولية واجتماعية متكاملة، أن تبني أسسها على أرضية تضمن تطويرها وتكفل استمرارها واستدامة تنميتها الاجتماعية الشاملة، فالمراد منها كتربية عصرية وارتباطها ارتباطا عميقا بتحدياتها لتأسيس مجموعة من المفاهيم الثابتة والمستقلة التي يمكن أن تنسجم مع الأُسس العقلية الراسخة، والمتطلبات الاجتماعية اللازمة لتنشئة الأجيال بصورة سليمة تجعل منهم أفرادا صالحين لأنفسهم وللمجتمع.

ولكي تتم عملية التربية العصرية بشكل صحيح، وتساهم في تحديات التنمية التي تعد عنصرا مهما ورئيسا من عناصر مواكبة المستجدات فإن ذلك يعد ضروريا لدراسة الماضي واستقرائه والتعرف إلى الحاضر واستشراف المستقبل، من أجل اختيار الأفضل في حدود الإمكانات المتاحة للوصول إلى تنمية متوازنة في قطاع التربية والتعليم، لأن دراسة الفكر التربوي تعد ضرورة ملحة ليس فقط من أجل دعم التعليم في الوقت الحاضر ولكن أيضا لربط المتعلمين بثقافتهم وزيادة انتمائهم لها لتخرج افرادا صالحين قادرين على مواجهة أي جديد في حياتهم العملية .

فالانتشار الكبير لوسائل الاتصال والتواصل والتغيرات السريعة في مجال التكنولوجيا والمعلومات جعل العالم مفتوحا لكل التأثيرات الإيجابية والسلبية، مما يستدعي الحفاظ على دعائم التربية وثقافتها والحرص على تربية أبنائها، عن طريق منهج متكامل لا يهمل ما توصل إليه العلم، ولا يتجاهل ما قدمه العلماء والمربون على مر العصور، لإثراء الجيل الواعد من أبنائنا بمقومات التقدم ممزوجة بالمعاصرة والأصالة.

لذلك يجب أن ننهض ونتقدم ونساهم لمواكبة هذا الكم الكبير من التغيرات السريعة، وأن نبدأ أولا من خلال التربية والتعليم قبل أي شيء آخر، لأنه دونهما أو إهمالهما ينحدر مستوى عطائهما ويصيبه القصور ويعجزان عن إعمار المجتمعات، لهذا يجب الاعتناء بهما عناية شديدة، لنصل لتربية متوازنة متكاملة تهتم بتنمية شخصية الفرد في جميع النواحي، ولنتعمق في التربية التي تنادي على مبدأ الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص ودعت إلى الكرامة والرحمة والتواضع وغير ذلك من الصفات الحميدة، التي تخلق شخصية الفرد القادر على تحمل المسؤولية في تماسك بنيان المجتمع.

ومن هنا تم استقبال الأفكار الفلسفية والتربوية من الإنتاج الفكري الجيد الذي يمكن أن يضيف شيئًا إلى العلم والمعرفة العربية، فتأتي عملية إبراز مفكرين وفلاسفة برعوا في هذا الجانب لنقوم هنا بإبراز اهم الأمثلة الفكرية والفلسفية التي اكتسبت شهرة واسعة محتلة بذلك مكانة عظيمة في عالم الفكر التربوي، منها المفكر البرازيلي التربوي باولو فريري الذي استطاع أن يخرج بفكر نقدي حيث تفاعل مع ظروف قاسية عانى منها مجتمعه، وكان خير مثال في نقله لهذه المجتمعات التي وقعت كثيرا تحت الاستغلال والفقر والتبعية، فجاء فكره يسعى إلى تغيير الواقع الاجتماعي لا ليكون مجرد نسخة مقلدة للواقع، وإنما لتحريره وبنائه وفق احتياجاته واحتياجات الجماعة التي ينتمي اليها، وهذا يتفق مع ما ذكرناه سابقا بأنه يجب ان نخلق اشخاصا قادرين على مواكبة متطلبات العصر من خلال التربية المستدامة؛ ليكونوا على استعداد مستمر لمواجهة أي تغيير، ليصب في مصلحتهم ومصلحة الجماعة التي ينتمون اليها أي مجتمعهم الذين ينتمون اليه، وبهذه الطريقة يكونون اعضاء فاعلين في المجتمع.

ومن أجل تخريج افواج من هذا القبيل سنكمل مع فريري، حيث كان الهم الشاغل عنده هو تغيير دور التربية والتعليم من خلال علاقته بالسلطة والمقهورين، هؤلاء الأفواج الذين يعيشون الأجواء التي يسودها القهر، ليصل بهم الى استعادة صوتهم وكرامتهم من خلال الوعي بالتعليم كشرط أساسي لتحررهم، وفي ضوء ذلك يرى انه لا يوجد تعليم محايد، فهو إما أداة للقهر أو محفز للتحرير، ويضيف أيضا في شرح فكرته أن الحق في التعليم هو مشروع للحرية من القيود، لذلك يعطي الطلبة الحق في ظروف تعكس أنفسهم، وتتيح لهم العيش بالشكل الذي يحبونه، وكذلك يمنحهم الوسيلة ليكونوا فاعلين. وقد سعى إلى تأكيد أن التربية ليست تلقينا وإنما هي ممارسة توفر لهم المعرفة والوسيلة ليصبحوا مواطنين ناقدين يسهمون في خلق ديمقراطية راسخة من خلال مشاركتهم في المجتمع، ولأجل ذلك رفض أنظمة التعليم المصممة على أساس أنها تفرض عليهم قهرا، أو تلك التي تدعم أشكالا من تقييد الحرية، لذلك قام فريري بتحد من خلال دعوته إلى ضرورة جعل التعليم تربويا في المؤسسات، لإنتاج وتنظيم أشكال المعرفة والانتماء.

ولم يكن فريري التربوي الوحيد الذي ركز على تطوير التفكير الناقد واعتبار التربية أداة للتحرر فكثير غيره من الفلاسفة والتربويين، نذكر منهم ايضا جون ديوي حيث أنشأ المدرسة النموذجية سماها مدرسة التطبيقات حيث اتخذها حقلا لتجربة نظرياته وآرائه في التربية، وحاول أن يقيم برامج هذه المدرسة وإدارتها من خلال التفاعل والاتصال والتعاون بينها وبين البيت، ووجوب اتصال خبرات التلاميذ في المدرسة بخبرتهم خارج المدرسة، وجعل الطلاب يتعلمون عن طريق خبرتهم ونشاطهم الذاتي، واحترام ميولهم وحاجاتهم وحريتهم في التعبير عن أنفسهم، ومراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ، واعتبار التربية عملية اجتماعية، والتركيز على التعاون بدلا من التنافس، إلى غير ذلك من المبادئ التي كانت مطبقة في هذه المدرسة التجريبية. وكان لهذه المدرسة أثر بالغ في التمهيد للتربية التقدمية المستديمة لما لها من فضل كبير في إقناع الآباء بأهمية المبادئ التربوية وبإمكانية تطبيقها، وقد كان ديوي من المشجعين من خلال مدرسته هذه بإنشاء العديد من المدارس التقدمية الخاصة في أمكنة متعددة.

وبعد استعراض الكم الهائل من المعلومات لهذه النماذج العظيمة لمفكرين تركوا فينا بصمة واضحة وتأثيرا كبيرا بأفكارهم التي تجعل من التربية العصرية محط اهتمام واسع، تواكب تحديات التنمية المستديمة لكل زمان ومكان، فان هذا يجعلنا نصل الى بلورة فكرة أنه لم تعد النظرة إلى واقع التعليم تربطه التحديث والتنمية بمفهومها التقليدي، في زمن برزت فيه اختلافات واسعة في نوعية ما يتمّ تعليمه في معظم مدارسنا، وانما تخلق طلبة تكتسبهم جميع مقومات المواطن المثقف ضمن أسلوب حياة على نحو أعمق من التنوع الاجتماعي والمساواة والارتقاء بآفاق الفرد، لمواجهة الأزمات والتحديات الكبرى داخل المجتمعات، لذلك لا يسعنا الا القول بانه ينبغي للنظم التعليمية العربية ألا ترفض الاطلاع على فكر وتجارب الآخرين في المجال التربوي، لما له من عائد كبير من الفوائد التي تجعلنا أكثر تلهفا لمتابعة كل جديد لمواكبته والشعور بالاستقرار لفهم الواقع الحالي، والاستعداد للقادم بكل ما ينطوي في ثناياه من مفاجآت، ولكنه هنا من الضروري التأكيد على التربية العربية أنها وليدة المجتمع الموجودة فيه، وأنه لا يمكن استعارة فكر تربوي لاقى نجاحا في مجتمع ما لتطبيقه في مجتمعها، فهذا الفكر يكون قد نما في بيئة مغايرة لثقافتنا العربية، فعلينا أن نستفيد من هذه الفلسفة التربوية بعد تكييفها بما يتناسب مع البلاد العربية ماديا ومعنويا وبما لا يتعارض مع ثوابتنا الثقافية والدينية، مما يكفل تحقيق التطور والتقدم للأنظمة التعليمية العربية.