فلسطين في قلب الصين
نبض الحياة- عمر حلمي الغول

العلاقات الفلسطينية الصينية تمتد لستة عقود خلت، وكانت قائمة منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية عام 1965، وجمعت بين الثورتين الصينية والفلسطينية روابط ووشائج عميقة منذ ذلك التاريخ، تعمدت قبل 35 عاما بإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين الصديقين، وكانت الصين دائما وأبدا سندا قويا للشعب الفلسطيني وثورته المعاصرة وحقوقه وأهدافه السياسية والقانونية، ودعمت القيادات الصينية المتعاقبة من ماو تسي تونغ الى شين جين بينغ كفاح الشعب التحرري، ولم تنفك الصين بثقلها السياسي الإقليمي والعالمي، وعملقتها الاقتصادية المالية والعسكرية عن دعم قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ودولتها الوليدة حتى تتحقق كامل أهداف الشعب المنكوب بالاستعمار الإسرائيلي الاجلائي الاحلالي، والمتسلح بالدعم اللامشروط من قبل الغرب الرأسمالي وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية.
وهذه العلاقة التاريخية بين البلدين والشعبين الصديقين تتكرس كل يوم نتاج حرص ورغبة القيادتين الصينية والفلسطينية على تطويرها وتعميقها في مختلف الميادين والمجالات، وتتضاعف أهمية وأولوية العلاقة مع الصين الشعبية العظيمة مع إعادة تشكل النظام العالمي الجديد، حيث تتبوأ بكين مكانة مركزية فيه، وباتت رقما لا يمكن تجاوزه أو القفز عنه في مختلف المسائل والملفات العالمية. ولهذا تحرص قيادة منظمة التحرير على التماس الدائم مع القيادة الصينية عبر الزيارات المتواصلة بين أركان القيادتين والوفود المتبادلة بين الصين والسلطة الوطنية والأحزاب والقوى والفصائل الفلسطينية بمختلف مشاربها واتجاهاتها.
وتأتي زيارة الدولة للرئيس محمود عباس للصين الشعبية يوم الثلاثاء الماضي وانتهت امس الجمعة انعكاسا لعمق الروابط بين البلدين والقيادتين، وتأكيدا أن فلسطين كانت وما زالت في قلب الصين الصديقة الوفية، وعالج فيها الرئيسان عباس وبينغ الملفات السياسية والاقتصادية والكفاحية وجرائم دولة الاستعمار الإسرائيلية اللقيطة، وتفرد الولايات المتحدة في ملف ما يسمى رعاية عملية السلام، التي لا تمت للسلام بصلة لأنها لم تتمثل دور الوسيط النزيه، ولم تكبح جماح النزعات الكولونيالية الإسرائيلية، ولا جرائم حربها، لا بل قدمت وتقدم لها كل اشكال الدعم المالي والاقتصادي والتسليحي والأمني والسيبراني، وتغطي تلك الجرائم في مختلف المحافل الدولية خاصة في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة واليونيسكو ومجلس حقوق الانسان ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وحيثما وصلت يدها لأي محفل حتى داخل الولايات المتحدة نفسها يتعرض لمساءلة أو المطالبة بمساءلة إسرائيل على جرائم حربها ضد الشعب الفلسطيني.
ومن خلال المباحثات الجادة والمسؤولة والدافئة أكد الرئيسان عباس وبينغ عمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين الصديقين، وتطويرها ودفعها قدما للامام، ودعم الحقوق الوطنية الفلسطينية في تحقيق الأهداف السياسية والقانونية، التي توجها الرئيس شين جين بينغ بمبادرته التي طرحها الأربعاء الماضي الموافق 24 يونيو الحالي، وتضمنت النقاط الثلاث اللآتية: أولا- يكمن الحل الأساس للقضية في إقامة دولة فلسطين المستقلة، التي تتمتع بسيادة كاملة على أساس حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. ثانيا- تتعين تلبية الحاجات الاقتصادية والمعيشية لفلسطين، ويحتاج المجتمع الدولي إلى تكثيف المساعدات الإنمائية والإنسانية لفلسطين. ثالثا- من المهم الحفاظ على الاتجاه الصحيح لمحادثات السلام. ويتعين احترام الوضع التاريخي الراهن للأماكن المقدسة في القدس، ويتعين تجنب الأقوال والأفعال المفرطة والاستفزازية. وتوج المبادرة بتأكيده عقد مؤتمر دولي واسع النطاق، وأكثر موثوقية من أجل تهيئة الظروف لاستئناف محادثات السلام، والاسهام بجهود ملموسة لمساعدة فلسطين وإسرائيل على العيش بسلام. وتعتبر هذه المبادرة خطوة إضافية ومتقدمة على استعداد الصين للعب دورها المركزي في معالجة الملف الاكثر تعقيدا عالميا، أي الملف الفلسطيني الإسرائيلي.
شكلت زيارة الرئيس عباس للصين الشعبية خطوة مهمة في تعميق العلاقات الثنائية المشتركة الاستراتيجية بين البلدين، ونقلة إيجابية في محاولة كسر حلقات القيد الأميركي المفروض على الملف الفلسطيني الإسرائيلي، وللتسلح بالعلاقة القديمة الجديدة مع القطب الند للولايات المتحدة، والاستعانة به للخروج من شرنقة الهيمنة الأميركية وسطوتها، والتقدم خطوة نوعية لترسيخ وجود القضية الفلسطينية على طاولة النظام العالمي الجديد، واستباقا للتطورات الدولية الجارية بخطى حثيثة على مختلف الصعد والمستويات.
ولتكتمل وتتعزز الخطوة الفلسطينية الاستراتيجية تستوجب الضرورة ارفاقها بزيارات دولة لروسيا الاتحادية والدول المؤثرة في التحولات العالمية مثل: الهند والأرجنتين والبرازيل وجنوب افريقيا وتركيا وايران، بغض النظر عن اية تباينات، والاسهام ببناء لبنة جديدة ونوعية في المنظومة العالمية الجديدة، ولتكريس فلسطين رقما وعنوانا رئيسا في المشهد الدولي القادم، لقطع الطريق على الولايات المتحدة وربيبتها اللقيطة إسرائيل، وكل من يقف معهما.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل