عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 17 كانون الثاني 2023

أهمية بيان مخيم جنين

نبض الحياة - عمر حلمي الغول

قبل قيام دولة الاستعمار الإسرائيلية في عام نكبة الـ 1948 عاش الفلسطينيون من مختلف الأديان الإسلامية والمسيحية واليهودية في وئام وتعايش وشراكة بسلام تحت راية الهوية الوطنية والعلم الفلسطيني، إلى ان اقتحم الصهاينة وأسيادهم من الغرب الاستعماري قبل وبعد إعلان وعد بلفور في الثاني من توفمبر 1917، ومقررات مؤتمر سان ريمو في أبريل 1920، وصك الانتداب البريطاني الأميركي، الذي أقرته عصبة الأمم في يوليو 1922، وما تلا ذلك من جرائم ما أحدث الانقسام وأسس للصراع منذ قرن مضى.

وهذا ما جسدته وكرسته عمليات الهجرات المتوالية لأنصار الحركة الصهيونية إلى فلسطين في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، التي هيأت لهم دولة الانتداب البريطانية كل شروط الدخول والإقامة والعمل وشراء بعض الأراضي من العائلات الإقطاعية اللبنانية وإقامة المستعمرات على الأرض الفلسطينية، ووفرت لهم السلاح والمال لإقامة عصاباتهم الإرهابية، ما ساهم في ازدياد الاحتكاك والصدام مع أبناء الشعب العربي الفلسطيني وفق المخطط الاستعماري الصهيوغربي رأسمالي لطردهم من بلادهم تدريجيا، وصولا لإقامة الدولة الإسرائيلية اللاشرعية على أرض فلسطين العربية، وطن الفلسطينيين الأم على أنقاض نكبتهم وطردهم وتهجير ما يقارب المليون فلسطيني آنذاك.

هذا الاندفاع المتواتر للصهاينة الاستعماريين عكر أجواء التآخي والتكامل بين الفلسطينيين من أتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية مع أتباع الديانة اليهودية، الذين تورط جزء كبير منهم في متاهة المشروع الإجلائي الإحلالي الصهيوني، وخلق هوة كبيرة بينهم حتى يومنا هذا، وإلى أن تندثر وتزول دولة التطهير العرقي الصهيونية.

وفي ضوء تصاعد النضال الوطني الفلسطيني بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في عام 1965، وانكشاف جوهر المشروع الصهيوني ودولته اللقيطة، بقي قطاعُ من أتباع الديانة اليهودية يرفضون الصهيونية من حيث المبدأ، ولم يسلموا أو يعترفوا بدولتها، وما زالوا حتى الآن يؤمنون بأن فلسطين، هي دولتهم، وعلمها هو علمهم، ويدافعون عن خيارهم وقناعاتهم دون تردد في فلسطين المحتلة، وحيثما وجد أتباعهم في دول أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، ويشاركون بشكل مستمر ومثابر في فعاليات وأنشطة سياسية ودينية لتأكيد الحقوق السياسية الفلسطينية، ويفضحون ويعرون الدولة المارقة والخارجة على القانون ومن يدعمها من دول الغرب الرأسمالي وخاصة بريطانيا وأميركا بإداراتها المتعاقبة.  

 وهذا الموقف الملتزم عكسته زيارة وفد من أنصار حركة ناطوري كارتا اليهودية إلى مخيم جنين البطولة والبطولة للتضامن مع أبنائه خاصة ومع الشعب الفلسطيني عموما. ولم يكتفوا بالزيارة يوم الإثنين الموافق التاسع من يناير الحالي، وإنما أصدروا بيانا مع ممثلي القوى الفلسطينية وخاصة حركتي فتح والجهاد الإسلامي، وجاء فيه "نحن الفلسطينيين واليهود نرغب في العيش سويا، تحت علم فلسطين، وليس تحت علم إسرائيل، في وطن واحد اسمه، دولة فلسطين." وتابع البيان التأكيد على وحدة المصير المشترك، بالنص التالي "لقد عشنا، نحن أبناء إبراهيم، مئات السنين في وئام وسلام ورفاه، إلى أن قسمنا الصهاينة." ما عرض من وقع على البيان من حركة ناطوري كارتا للمسألة والاعتقال من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية، واتهموهم بالخيانة.

وتكمن أهمية البيان الآن في خضم المعركة الشرسة والمحتدمة بين الشعب الفلسطيني وحكومة نتنياهو الفاشية للتأكيد للعالم أجمع، أن إسرائيل الصهيونية المغتصبة للديانة اليهودية، لا تمثل اليهود، وهي خطر عليهم، كما أنها خطر على الشعب الفلسطيني، وتهدد بجرائم حربها وقوانينها وانتهاكاتها العنصرية وفاشيتها كل من يعيش على أرض فلسطين التاريخية. ولعل اتساع وتعاظم المظاهرات ضد حكومة نتنياهو السادسة، وكان آخرها مظاهرات القدس وحيفا وخاصة مظاهرة تل أبيب في ساحة "هبيما" يوم السبت الماضي الموافق 14 يناير الحالي، التي احتشد فيها ما يزيد عن الـ (100) ألف إسرائيلي وفلسطيني يعكس حدة الصراع بين الحكومة والشارع الإسرائيلي، والخشية من المآل الخطير الذي يهدد مستقبل الجميع، ويعرض السلام الممكن والمقبول للفناء الكلي.

وعلى العالم أجمع وخاصة الإدارة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي استخلاص الدروس والعبر مما يجري داخل دولة الموت والمحرقة الإسرائيلية، وإعادة الاعتبار لخيار السلام عبر الاعتراف الفوري بدولة فلسطين، ورفع مكانتها لدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، وتأمين الحماية الدولية لأبناء الشعب الفلسطيني دون تردد أو تلكؤ، والدعوة لعقد مؤتمر دولي للسلام وفق جدول زمني لا يتجاوز العام يلزم إسرائيل بالانسحاب الفوري من أراضي دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية، وفرض العقوبات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية بهدف عزلها وحصارها قبل فوات الأوان.

[email protected]