"كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين"
باسم برهوم

عندما رسم الاستعمار خريطة سايكس- بيكو أعطى لكل جزء اسمه المعروف به تاريخيا، العراق على سبيل المثال من اسم المدينة السومرية "اوراك"، وهي المدينة التي عاش بها جلجامش حسب الأساطير العراقية القديمة. أما سوريا فقد اخذت اسمها من أشوريا باعتبارها جزءا من الدولة الأشورية، ولبنان جاء من الاسم القديم "اللبان" أي الباخور أو القلب الأبيض باللغة السريانية. وعندما أعطى البريطانيون اسم فلسطين لجنوب سوريا فهو الاسم القديم لهذه الجغرافيا "باليستا" كما وردت في الوثائق المصرية والأشورية والكلدانية القديمة، ومن ثم لدى المؤرخين الاغريق، ولاحقا في التقسيمات الإدارية الرومانية والبيزنطية والعربية الإسلامية.
الدول الاستعمارية لم تخترع الأسماء لتضعها على خريطة التجزئة، بل هي استخدمت الأسماء القديمة المتجذرة في التاريخ وكتب التاريخ ووثائق الحضارات القديمة، وفلسطين من بينها. ولعل الشاعر محمود درويش قد لخص المسألة عندما قال: "كانت تسمى فلسطين وصارت تسمى فلسطين".
بريطانيا والصهيونية لم تستطع الهروب من الحقيقة التاريخية، فهم عندما صاغوا تصريح بالفور، وقد صاغوه على امتداد أشهر وبعناية ودقة متناهية، قالوا: "إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين". هذا يعني ان شهادة التأسيس الأولى لإسرائيل يوجد فيها اعتراف واضح بماهية المكان واسمه التاريخي، واعتراف مكشوف بالسرقة. وتكرر الشيء ذاته مع صك الانتداب، عندما نص ان عصبة الأمم "تعهد لبريطانيا بإدارة فلسطين، التي كانت تدار من العثمانيين"، فما تم هو تبنٍ لسياق تاريخي عمره آلاف السنين كانت فلسطين موجودة تتوارثها إدارات وحضارات مختلفة.
قرار الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة رقم "181"، الذي نص على تقسيم فلسطين عام 1947 وهو الشهادة الثانية لولادة إسرائيل، ماذا قال واقر: "تنشأ في فلسطين دولتان واحدة عربية والثاتية يهودية"، فالقرار مرة أخرى يعترف بتاريخية فلسطين وأنه الاسم المتعارف عليه تاريخيا لهذه الجغرافيا من النهر الى البحر. بهذا المعنى لم يكن هنا خلاف أو إمكانية لإنكار التاريخ، فالدولة العربية التي نص قرار التقسيم على انشائها كانت هي دولة عرب فلسطين، أي الشعب الفلسطيني، ويعرف الجميع أن القرار رقم 181 كان بمثابة حل مؤقت تعود فلسطين في مرحلة لاحقة، وضمن آليات حددها القرار، الى دولة واحدة موحدة، دولة ديمقراطية، يعيش بها الفلسطينيون واليهود على قدم المساوة، هذه هي فلسفة القرار. لم تكن فلسطين شيئا يمكن انكاره فهي لطالما كانت موجودة عبر آلاف السنين ولكن السؤال: كيف تم شطبها سياسيا وازالتها بهذا المعنى عن الخريطة؟ ولماذا؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الشطب؟
بعد محاولات الإنكار والنفي الطويل لوجوده، اعترفت إسرائيل في اتفاقيات أوسلو "اتفاق إعلان المبادئ" الموقع عام 1993 بوجود الشعب الفلسطيني، واعترفت بحقه بالوجود على اجزاء من وطنه التاريخي "الضفة وقطاع غزة والقدس الشرقية" وعاد المجتمع الدولي يتحدث ويجمع على حل الدولتين دولة فلسطين المستقلة وإسرائيل. فقد نص اعلان المبادئ على ان المفاوضات والاتفاق قد تم بين "الفريق الذي يمثل الشعب الفلسطيني وإسرائيل" كما تبادلت منظمة التحرير الفلسطينية -باعتبارها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني- وإسرائيل الاعتراف ببعضهما بعضا، بهذا المعنى لم تعد هناك امكانية لانكار وجود الشعب الفلسطيني ايضا.
لدينا مشكلة مع تراجع إسرائيل عن الاتفاق، ومشكلة أعمق مع اليمين المتطرف الصهيوني، الذي يريد إعادة الصراع الى مربعه الأول، أي العودة للغة انكار الآخر وانكار وجوده، ومربع الادعاء بأن كل فلسطين هي "أرض إسرائيل".
العالم لا يشارك هذا اليمين الإسرائيلي المتطرف رأيه، والعالم يلاحظ بازدياد أن استمرار الاحتلال أو سياسة الضم والاستيطان لن ينشأ عنها سوى نظام فصل عنصري. ما نحتاج إليه هو ان نستفيد ونعزز هذا الاعتقاد الدولي، مع التمسك بمبدأ حل الدولتين وحق الشعب الفلسطيني بالاستقلال في دولة ضمن حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967، لأن البديل هو نظام فصل عنصري.
من هنا تبرز أيضا أهمية المحافظة على السلطة الوطنية الفلسطينية، وتعزيز وجودها، والغريب أن نسمع بعض الأصوات من داخلنا تنادي بحل السلطة، فهذا بالضبط ما يريده اليمين المتطرف الصهيوني ويسعى إليه، فالسلطة هي التعبير المتبقي والمتجسد على الأرض للوطنية الفلسطينية ويعمل هذا اليمين على هدمه.
ما نحناج اليه، تعزيز مكتسباتنا السياسية، التي خققناها عبر تضحيات جسام، ما نحتاج إليه ان نعزز الاتجاه المتنامي على الساحة الدولية، الذي يعتبر السياسة الإسرائيلية الرسمية -بما فيها من تهويد واستيطان- مسارا نحو نظام الفصل العنصري.
وبعد ان أعدنا فلسطين والشعب الفلسطيني الى خريطة المنطقة والعالم بالتضخيات، علينا ألا نسهم -دون قصد- بإعادة تغيبها وتغيبنا كشعب مرة أخرى من الجغرافيا والتاريخ، فلسطين لطالما كانت موجودة منذ آلاف السنين، واليوم تعود الى الخريطة وواجبنا أن نحافظ على هذا الوجود ونعززه.. كيف؟ انها مهمة كل الوطنيين الفلسطينيين.