العلامة الروائية!
تغريدة الصباح - حسن حميد

منذ أن تابعت كتاباته، وهو بالنسبة إلي، في مربع التقدير اللافت للانتباه والمحبة والجاذبية، شأني في هذا هو شأني مع كل الكتابات التي أتابعها، في بلادنا العزيزة، فلا شيء عندي يدنو من مربع (النوافل) أو (الهوامش)، كل شيء في بلادنا الغالية عزيز وثمين وجميل حتى لو كان مناداة ما بين واد وواد آخر.
لقد تابعته في آخر ما كتبه، حين قال: لقد اكتشفت، وبطمأنينة، العلامة الرابعة في الرواية الفلسطينية، وذكر اسم الروائي المهم إلياس خوري، طبعا أعني هنا الناقد المعروف د. عادل الأسطة صاحب القول، وحين راح أصدقاؤه يقولون له سائلين: فلان، وفلان، وفلان..هم من الروائيين الفلسطينيين المهمين، أليسوا علامات؟ فأجاب، وبجرأته المعهودة، بلا نافية، ولا أدري إن كانت أكثر من نافية!
أنا قرأت ما كتبه د.عادل الأسطة، نقدا وإبداعا، وأراه ذئبا ثقافيا مهما فيما كتب، وفيما أبدع، لكن أحس بأن لديه قناعة تكاد تكون مكينة غير قابلة للمناقشة، فحواها المخالفة في الرأي، حتى كانت شططا، وقد أوجدت له هذه القناعة حالا من العدائية، مع أنه كتب عن معظم الكتاب والمبدعين، ولعله من أكثر نقادنا متابعة وقراءة وكتابة، وقد اشتبك في الرأي مع كثيرين لأنه جاهر بآراء لم يكن بحاجة إليها، ولم توفر له سوى (وجع الرأس)، ولو حاولت عد الأسماء التي اختلف معها حول ماهية النص وجمالياته من جهة، وظروف كتابته ونشره من جهة أخرى، لكانت الحصيلة كبيرة.
أيا كانت الحال، فإنني سأتلبث هنا عند مقولته، وتوصيفه، للكاتب إلياس خوري، بأنه العلامة الرابعة في الرواية الفلسطينية، فهو يشير، بإضافته هذه، إلى كتاب المرحوم فاروق وادي حين عد غسان كنفاني، وجبرا إبراهيم جبرا، وإميل حبيبي، بأنهم هم العلامات الثلاث في المدونة الروائية الفلسطينية، وقد كان فاروق وادي محقا، حين صدر كتابه في عقد السبعينيات، أي قبل نحو خمسين سنة، أي حين كان الأدباء يحيى يخلف، ورشاد أبو شاور، ومحمود شقير، وتوفيق فياض، وجميل السلحوت، ومحمد علي طه، وإبراهيم جوهر، وغريب عسقلاني، ..إلخ، شبابا يشقون دروبهم الإبداعية كيما يبدو الواحد منهم في مرآة الإبداع للبلاد الفلسطينية العزيزة، ولكن اليوم مر، أو كاد، نصف قرن من الزمن، فبات هؤلاء نجوما، وليسوا علامات فقط!
هؤلاء تحملوا كل التقولات التي دارت حول النص الفلسطيني المكتوب عن: القاعدة الفدائية، والمخيم، والشهيد، والأسير، هؤلاء كانوا أشبه بالضحايا وهم يعبرون حقول الألغام الثقافية كلها، هؤلاء كتبوا، وهم لم يلتقطوا أنفاسهم التي كانت تجري لهوثة ما بين المخيم، ومقبرة الشهداء، وما بين الأسير، وما يقوله الأدب الصهيوني! هؤلاء اليوم، نقلت نصوصهم السردية إلى اللغات العالمية، وإلى السينما، وإلى المسارح، وأعمارهم تدنو من العقد الثامن، ومع ذلك..، ما زلنا لا نجرؤ على توصيفهم، بأنهم علامات في السرد! ناقدنا د.عادل الأسطة ينفي بأن يكون أحدهم، وله أكثر من عشرين كتابا، جديرا بوصفه علامة روائية! هنا أسأل: لماذاهذا الجحود، وما الفائدة منه، ونحن نرى أن التبخيس يطال كل شيء في حياتنا، من حبة الرمان إلى قرن الخروب، إلى السطر الشعري!
اليوم، ومنذ 80 سنة، والفرنسيون يحتفلون بكاتب اسمه جان بروليه (اتخذ اسم فيركور اسما قلميا له) لأنه كتب رواية صفحاتها بحدود 100 صفحة عنوانها (صمت البحر)، فعدوه نجما لا علامة! ولا أحد من قرائنا أو نقادنا، أو حتى قراء فرنسا ونقادها، يذكر له عملا آخر. جان جينيه ما هي الأهمية الإبداعية التي تجعله ينوف في نصوصه على النصوص التي كتبها محمد لافي، أو ماجد أبو غوش، أو حسين البرغوثي، أو علي الخليلي، أو يوسف عبد العزيز؟! وهل آني إرنو الفائزة بجائزة نوبل لعام 2022 توازي نصوصها، من حيث الأهمية، نصوص توفيق فياض، أو محمد علي طه، أو أحمد حرب !
أنا مع الجرأة، ومع د. عادل الأسطة الجريء، لكنني لا أريد لهذه الجرأة أن يكون هدفها الهدم والتبخيس. ترى، ود.عادل الأسطة يعرف هذا جيدا، ألا تكفي دوائر التجهيل التي تحيط بأدبنا الفلسطيني، فتحول دون عبور كتابنا للحدود العربية إلا بالمشقة الهالكة، ألا يكفي إقصاء كتابنا عن أي تقريظ، أو دحره بعيدا كي لا ينال أي جائزة عربية! ألا يكفي ظلما عدم ترجمة كتابنا إلى لغات عالمية إلا عبر ظروف خارقة!
إنني أعد كل النصوص التي كتبها أدباء فلسطين، أصحاب التجارب، علامات وأكثر، لأنهم كتبوها، وهم يعرفون أن الظلمة ستكون حضنا لها، وأن التجاهل سيكون يدا معوانا لتنحيتها، وأحسب أن الحوار حول هذا الأمر مهم جدا لأنه سيفضي إلى قراءات جديدة لأدبنا الفلسطيني، من أجل الوصول إلى آراء جديدة لا استعلاء فيها ولا تبخيس، لسبب بسيط، هو أننا نغزل بلا مغزل؛ إننا نغزل على عود، زله الواهمون، كيما ننتج الجمال الحقيقي المعافى!