... أكثر من أسطورة!
تغريدة الصباح- حسن حميد

لو كان الأمر سحر ليل لقلنا سحر ليل يخالطه النعاس والخدر والتوهان، ولو كان الأمر ميثولوجيا لقلنا إن المبالغة أحاطت به فجعلته لا يصدق، ولو كان الأمر أسطورة لقلنا يحدث في عالم الأساطير ما لا يستطيع العقل بلوغه أو الارتقاء إليه، لكن الأمر حقيقة واضحة مثلما هي البحار واضحة، والأمر واضح مثلما هي الشمس واضحة أيضا، فلا سحر ليل، ولا ميثولوجيا، ولا أساطير تتناقلها الألسن عفو الخاطر!
الأمر كله حقيقة، وحقيقته هي أن أسرة فلسطينية نذرت نفسها من أجل المعنى الوطني: فلسطين؛ ومن أجل هيبة الكائن الحي: الكرامة؛ ومن أجل أخذ الكتاب بقوة: الكبرياء! أسرة فلسطينية رأسها، بعد رحيل الأب/المعيل، هي أم ناصر، التي محا أهل مخيم الأمعري، حيث تسكن، صفة الأرملة عنها، وأبدلوها بصفة: خنساء فلسطين، ذلك لأنها أم لستة أبناء ذكور هم: عبد المنعم (شهيد)، وإسلام (مؤبد واحد)، ونصر (خمسة مؤبدات)، وناصر (سبعة مؤبدات)، وشريف (أربعة مؤبدات)، ومحمد (مؤبدان)، وجميعهم أعمدة ورماح؛ عبد المنعم استشهد، والأخوة الخمسة الباقون أهل عزيمة مقدودة من صخر، هم أسرى في سجون العدو الإسرائيلي ومعتقلاته، وجميعهم حكموا بأحكام مؤبدة، وأمهم منعت طوال سنوات من زيارتهم، أربعة منهم اعتقلوا عام 2002، حين كان الإسرائيلي يكسر عظام أذرع الشبان الفلسطينيين المنتفضين، ويقلع عيونهم بالرصاص المطاطي، أما أخوهم الخامس، اسلام، فقد اعتقل عام 2018.
الآن، يلتحق ناصر أبو حميد بأخيه عبد المنعم ليكون ثاني شهداء الأسرة، بعد أن قتله الإهمال الطبي الصهيوني، فحرم من المعالجة، على الرغم من إضرابه عن الطعام الذي امتد شهورا، ومن الحملات الإعلامية، والتظاهرات الشعبية، والمطالبات الحقوقية بالإفراج عنه، لكن الإسرائيلي لم يستجب لأي منها، فرحل ناصر أبو حميد بعد أن فتكت بجسده الأمراض المزمنة والمستعصية والعنيدة، فهو معتقل منذ عشرين سنة، وهو محكوم بـ 7 مؤبدات (كل واحد منها مدته 99 عاما)، و50 سنة أيضا، أي أن الإسرائيلي المصاب بالحول والعماء يتوقع أن يعيش ناصر أبو حميد في السجن 743 سنة، وهو العدو المتغطرس الذي أعد حياة شناءة للأسرى الفلسطينيين، فهم يعيشون على حبات زيتون قليلة في الصباح، وحفنة أرز في الظهيرة، وطاسة شوربة عدس في المساء. ناصر أبو حميد، كان وزنه، حين اعتقل، قرابة 100 كغم، وقد استشهد في مستشفى (أساف هروفية) وعظامه بادية داخل جلده، ووزنه أقل من 30 كغم.
والد هؤلاء الشبان الأسرى والشهداء، رحل ولم يستطع زيارة أحد منهم في السجون الإسرائيلية، بسبب الصلف الإسرائيلي، لكنه رحل وهو مطمئن بأن أبناءه يقلقون راحة العدو النقيض. وبيت الأسرة هدم ست مرات، أي كلما اعتقل واحد من الإخوة، كان البيت يهدم، ثم يعاد بناؤه في مخيم الأمعري، وبذلك بقي البيت محجا لطلاب المدارس وزوار المخيم، شأنه في ذلك شأن بيوت الشهداء والأسرى والمطلوبين الفلسطينيين التي صارت قصصهم سيرة للنضال النادر.
الأب رحل ولم يشارك في تشييعه أحد من الأبناء، والأبناء سجنوا ولم يسمح لوالدهم أن يزورهم، والأم تطلب وتلح على زيارتهم لتراهم قبل رحيلها، لكن السجان الإسرائيلي يسوف ويكذب ويمنع زيارتها، ولكن، قبل أن يرحل ناصر أبو حميد تمكنت أمه من رؤيته دقائق فقط، فبكت،أم اناصر، فمحا غيبوبته للحظة، وابتسم لها، فشع ضوء أرعب سجانيه الذين يمتنعون الآن عن تسليم جثته لكي تدفن!
كل هذا ليس كلام ليل، ولا ميثولوجيا، ولا أساطير، ولا تآليف، إنه حقيقة ماثلة أمام البصر، والوجدان، أيها العالم الضرير، فالمكان مشخص، إنه مخيم الأمعري قرب رام الله، والزمان مشخص أيضا، ينتظر لحظة عودة جثمان الشهيد، فهل الإسرائيلي يقلد الاسبارطي الذي منع جثة هيكتور من الدفن؟ ألا يتنبه الإسرائيلي فيقرأ ويعي أن قوة اسبارطة كلها زالت وولت، وأن مصيره زائل وأسود، كل هذا ليس أحاديث ليل، ولا ميثولوجيا، ولا خراريف، ولا أساطير، بل هذا أبعد منها جميعا، وأعلى منها وأوفى، وأكثر نداوة، إنها سيرة العافية الوطنية التي يشتمل عليها كتاب الوطنية الفلسطينية، الذي غدا، وسيغدو، وظل من مئة سنة، وسيظل كتاب العبقرية الفلسطينية التي لم تخش خاشية، ولم تفزع من كريهة، ولم تتهيب صعودا حتى تستوي راية الحق فوق ساريتها، فوق أسوار القدس الباذخة في حضورها.
ناصر أبو حميد الشهيد الذي قال في سجنه: نحن شعب خلقنا للكرامة والكبرياء من أجل أن نصون المعنى الوطني، هو اليوم، بصوره الباسمة، ضيف بيوت مخيم الأمعري، وبيوت فلسطين كلها، فسيرته هي الدرب الذي يتقفاه كل فلسطيني، وهي الكتاب الذي يقرأ فيه الأبناء معاني الرجولة والجسارة والمجد، إنها مرآة فلسطين التي نواقفها من أجل أن نعانق النهار الذي حلم به ناصر أبو حميد، مثلما نحلم به، فالحياة دون نهارات العزة.. ليست بحياة!
ملاحظة:
سنضيء بعابق ذكرك، أيها الشهيد، أشجار عيد الميلاد.