عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 25 كانون الأول 2022

القلق الاجتماعي إلى أين؟

بقلم: منال سعادة*

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه يميل إلى العيش وسط جماعة معينة يشعر في ثناياها بالأمن والاستقرار، وتشبع حاجاته ورغباته، ومنها تتشكل معايير شخصيته واتجاهاته؛ حيث يتعرض لمئات التفاعلات الاجتماعية والمواقف اليومية مع أبناء جنسه، فكل ما يقوله ويفعله أو يفكر فيه إما أن يعبر عنه مباشرة من خلال تفاعلاته الاجتماعية أو يؤثر في تكوين شخصيته وانفعالاته وأفكاره، تلك التفاعلات التي تسهل على الفرد علاقاته أو قد تؤثر عليه سلبا، ومن هنا يتشكل القلق، وتتبدى الوحدة، وتتجلى العزلة لدى الفرد، فيصبح الانسحاب والخوف والقلق الاجتماعي السمة الأبرز لديه، ما يعيقه من تكوين علاقات وتفاعلات اجتماعية ناجحة في بيئة يجب أن يتفاعل بها وينتمي إليها، وهو ما يعرف باضطراب القلق الاجتماعي، أو الرهاب الاجتماعي.

يمثل القلق الاجتماعي موقفا من مواقف الخوف من عيون الآخرين وملاحظاتهم، ما يؤدي إلى تجنب التفاعلات الاجتماعية التي تجعل الفرد محط أنظارهم، إنه حالة ملحوظة تظهر خلال مواقف خاصة بأداء الفرد، حينما يتطلب منه القيام بمهام معينة، ونتيجة لتقييمه السلبي من قبل الآخرين في هذه المواقف، فإن الفرد يخاف ويتجنب المشاركة في المواقف الاجتماعية أو الدخول في مناقشات، وبالتالي يدخل في مرحلة التأزم، والخوف من الأداء بأشكاله المتعددة تجنبا للتقييم السلبي من قبل المحيطين والأقران.

عادة ما يظهر من يعانون من القلق الاجتماعي استجابة مقرونة بالتوتر عند مواجهة الآخرين، وخوفا ملحوظا من المواقف الاجتماعية المختلفة التي يكون فيها الشخص عرضة للفحص من قبلهم، فيتصرف حينها بتصرفات لا تكيفية؛ حيث تتملكه حالة من الخوف والتوتر، فيظهر عجزا واضحا في التفاعل الاجتماعي بأشكاله كافة، وينتابه الشعور بالنقص خاصة عند الاختلاط بالأفراد وعدم المشاركة في الأنشطة الجماعية، ما يؤدي إلى خمول ظاهري، وعدم الارتياح في المواقف الاجتماعية المختلفة، ويجد صعوبة في التعبير عن الذات، فيقوم بالهروب، أو التجنب للمواقف الاجتماعية.

تعد خبرات الطفولة من أهم الأسباب المؤدية للقلق الاجتماعي؛ حيث التربية أو التنشئة الخاطئة للفرد خاصة في المجتمعات التي يسودها التحفظ أو تطغى عليها الأبوية والتسلط، تلك البيئة التي ترفض إبداء الرأي والتعبير عنه، فينشأ الفرد وهو يراقب كل حركاته وسكناته؛ لخوفه المبالغ فيه من المجتمع، ويتردد في ذهنه بعض العبارات التي لطالما سمعها منذ نعومة أظفاره «حذار أن يراك الناس» بل «ماذا يقول/ سيقول الناس عنك؟» فلا يتصرف بكامل حريته، ويشعر دائما بالرهبة والعجز.

في الواقع إن تعرض الطفل إلى التعنيف اللفظي والجسدي المبالغ فيه سواء داخل الأسرة أو في المجتمع يزيد الأمر تعقيدا؛ ومن أهم العناصر التي قد يهملها الآباء أثناء عملية التربية هي العمل على زرع الثقة في نفوس أبنائهم، بل ولعل بعضهم قد يسخر من أبنائه بتذكيرهم بسماتهم وسلوكياتهم السلبية باستمرار، كقولهم: «أنت كسول، أنت جبان، أنت غبي»، دون مراعاة لمشاعرهم البريئة خاصة في مرحلتي الطفولة والمراهقة، وبالتالي ينشأ الخجل المبالغ فيه لديهم خاصة أمام الناس، وينظرون إلى أنفسهم بكثير من الدونية ومن هنا يبدأ هذا الاضطراب، حيث يتجلى لدى المضطرب بالقلق الاجتماعي الخوف من الناس وخاصة التجمعات لأكثر من شخصين، ويشعر بالكآبة المستمرة، ويتملكه الملل الدائم والشرود، ليصبح قليل التفاعل الاجتماعي سيما الضرورية منها، وتتسم تصرفاته بكثير من التناقض؛ فهو يحب ويكره في نفس الوقت.

وما يزيد من معاناة المصابين بالقلق الاجتماعي هو اقتران اضطرابهم باضطرابات نفسية أخرى لعل أبرزها: اضطراب القلق ورهاب الساح، واضطراب استخدام الكحول، واضطرابات الاكتئاب، ولكن حدوث القلق الاجتماعي يسبق وجود هذه الاضطرابات مما قد يوحي بوجود علاقة سببية بينها.

يستحق من يعانون من القلق الاجتماعي أن يعيشوا في فضائهم الاجتماعي بحرية دون خوف أو رهبة، وذلك ممكن؛ حيث تفيد الدراسات النفسية بفعالية برامج الإرشاد النفسي في علاج من يعانون من القلق الاجتماعي، ولعل الإرشاد المعرفي- السلوكي هو العلاج الأكثر فاعلية؛ لتضمنه على فنيات إرشادية سلوكية ومعرفية وانفعالية متنوعة، كفيلة بإحداث تغيير على سلوك الفرد من خلال التأثير على أفكاره ومشاعره، وإكسابه القدرة على إدراك الواقع بشكل سليم بعيد عن الأفكار غير المنطقية والمشوهة التي يعاني منها، ولا يفوتنا التنويه إلى الدور الأسري في دعم وإسناد أبنائهم من خلال دمجهم في الأنشطة المجتمعية لما فيه تحقيق التكيف النفسي والاجتماعي لهم.

----------

* طالبة دكتوراة الإرشاد التربوي والنفسي- جامعة القدس المفتوحة