عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 24 كانون الأول 2022

العنف في المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر

باسم برهوم

أرقام وإحصائيات مقلقة وخطيرة تلك المتعلقة بظاهرة العنف المتزايد داخل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، 106 أشخاص منهم 12 امرأة تم قتلهم عبر العنف الأعمى منذ مطلع العام الحالي 2022، كما قتل 111 إنسانا في العام الذي سبقه 2021، آخر القتلى كانوا من مدن أم الفحم والناصرة بينهم أب وطفله البالغ من العمر عامين، وقتل في مدينة رهط مواطن آخر.

لا شيء يمكن ان يبرر هذا العنف، ولكن هناك ما يمكن أن يفسر اسباب انتشار الظاهرة وتفاقمها وطرق وأساليب معالجتها، بالرغم من إدراكنا ان إسرائيل تريد وترغب في رؤية ظاهرة العنف وهي تتفشى وتفتك بالمجتمع العربي الفلسطيني في داخلها.

يبلغ عدد الفلسطينيين داخل الخط الأخضر اكثر من  مليون و700 ألف نسمة موزعين على ثلاث مناطق رئيسية: الجليل في الشمال، والمثلث في الوسط، والنقب في الجنوب، وهناك عدة آلاف في يافا وحيفا.

ويمثل الفلسطينيون ما نسبته 21.5% من مجمل سكان إسرائيل، ويعانون من سياسة التمييز وغياب المساواة، سواء في فرص العمل والتعليم أو في المناصب الرسمية، وفي أوساطهم توجد أعلى نسبة فقر وبطالة في إسرائيل، بالاضافة الى حرمانهم من أراضيهم وحصرهم داخل مدنهم وقراهم غير قادرين على توسيع أراضيها للبناء، كما لا تقدم لهم الدولة لا الخدمات ولا الميزانيات المطلوبة للتطوير وتحسين ظروف حياتهم والبيئة المحيطة بهم.

سياسة التمييز العنصري راكمت أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، بالاضافة الى تسهيل تسلل السلاح الى المجتمع العربي بكثرة، التي كانت تتم تحت مسمع ونظر الدولة، كل هذه العوامل أدت الى انفجار مظاهر العنف في المجتمع بأشكال مختلفة: العنف ضد المرأة على خلفية الشرف، ومظاهر أخذ القانون باليد، والثأر، واستسهال حل الخلافات بالقوة والعنف.

وما يجب أخذه بالاعتبار ونحن نفسر أسباب ظاهرة العنف، هو العمل الإسرائيلي الممنهج والمنظم لتفسيخ النسيج الاجتماعي، ووحدة المجتمع العربي الفلسطيني، عبر فرز المواطنين طائفيا الى مسلم ومسيحي ودرزي وشركسي، والمسلم إلى بدوي وغير بدوي، ومحاولة زرع الفرقة من جهة، وتشجيع النعرات والتحشيد الطائفي والتمييز في المعاملة بين الطوائف من جهة أخرى.

يضاف الى كل ما عملت عليه إسرائيل وتقوم به يوميا، أسباب ذاتية تتعلق بالمجتمع العربي الفلسطيني من الداخل، أبرزها عدم امتلاك القيادات السياسية والاجتماعية والأحزاب القدر الكافي من الثأثير، وغياب سياسة موضوعة يجري تنفيذها بشكل جدي  للتطوير الوعي وتعزيز الوحدة الداخلية، سياسة تتصدى للعادات البالية وتعزيز مكانة المرأة، وتواجه في الوقت نفسه محاولات الدولة لتمزيق المجتمع، والأهم تعزيز ثقافة التكافل الاجتماعي والتضامن بين المكونات الاجتماعية.

كما أن غياب القدرة على تحقيق الأهداف والطموحات السياسية والثقافية، التي تعبر عن الهوية الوطنية، بالضرورة أن يقابلها إحباط ويأس كبيران، ومن شأن هذا الأخير ان يتحول ويرتد إلى عنف داخلي. من هنا فإن أسباب ظاهرة العنف في المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر، هي أسباب مركبة ومعقدة، ولكن معظمها ان لم يكن جميعها ناجمة عن غياب المساواة.

الخطير في تفشي ظاهرة العنف هي ان تستغل الحكومات الإسرائيلية هذه الظاهرة، التي هي سببها وتقوم بتغذيتها، وتلجأ إلى حلول تخدم مصالحها الاستراتيحية، وأن تستخدم الحلول الأمنية القمعية بهدف كسر ارادة المجتمع الوطنية وتفريغه من مضمونه القومي وهويته الفلسطينية لتسهل السيطرة عليه.

هناك مسؤولية خاصة تقع على عاتق القيادات السياسية والاجتماعية، ربما عليها ان تفرغ نفسها لفترة من الزمن وتركز على إيجاد حلول والتقليل من ظاهرة العنف الى أدنى مستوى ممكن قبل فوات الأوان.

ربما هناك حاجة الى تعزيز دور الجمعيات والنوادي، وتشكيل مؤسسات تهتم بالتضامن والتكافل الاجتماعي، بالإضافة الى العمل على حل المشاكل بين العائلات والأفراد بالسرعة المطلوبة قبل ان تصل الى استخدام العنف.

هناك إدراك أن الحلول لن تأتي من الدولة المتورطة في تغذية العنف، ولكن هناك أوساطا داخل إسرائيل قد يكون لها موقف مختلف، أوساطا تدرك ان تفشي العنف داخل المجتمع العربي لن يبقى محصورا به، وأن هناك مصلحة في إيجاد حلول للأسباب وليس قمع الظاهرة بالقوة فقط.

ظاهرة العنف ظاهرة خطيرة جدا ومدمرة، وسيدفع ثمنها كل المجتمع العربي الفلسطيني ليس في الداخل وحسب، بل وفي كل مكان. هناك حاجة ان نتحرك بسرعة والتصدي لظاهرة العنف، وإلا فإن النتائج ستكون وخيمة جدا.