عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 كانون الأول 2022

دبلوماسية الثقافة والرياضة والجمال

سؤال عالماشي - موفق مطر

بعد الفوز الرائع لفلسطين في مونديال قطر، وفوز الفلسطينية نادين أيوب بلقب ملكة جمال الماء في مسابقة عالمية نظمت في الفلبين، وفوز فلسطينيين من الجنسين في مسابقات ثقافية روائية وأدبية وفنية تشكيلية، وتعليمية وأخرى رياضية فردية وجمعية دولية هامة، بات واجبا على الساسة والمثقفين وكذلك الرياضيين المخضرمين والمفكرين والإعلاميين والمتخصصين بعلوم العلاقات العامة والتواصل والاتصال، القادرين على نظم خطط، وتحديد الوسائل والأساليب والأدوات المناسبة للوصول إلى الشخصيات الرياضية والثقافية الأبرز في العالم، الحديثة النشطة في المجال، أو المعتزلة والتي ما زالت تحتفظ بزخم جماهيري يحسدهم عليه الساسة.. علينا المبادرة، وعدم ترك هذه الشخصيات تحت تأثير دعاية منظومة الاحتلال والاستيطان العنصري (إسرائيل)، فكسب قلوب مئات الملايين وتعاطفهم ومواقفهم قد يتحقق إذا كرمت هذه الشخصية أو تلك، ومنحت أشكال التقدير لعطائها وإبداعاتها، حينها نضرب عصفورين بحجر: الأول وضع الشخصية المعنية رياضية أو ثقافية ذات الثقل الجماهيري في قالب الرواية الفلسطينية الوطنية بالأسلوب الحضاري الإنساني، وكسب عواطف ومشاعر محبي هذه الشخصية في القارات الخمس، ما يوفر علينا كثيرا من العناء في مسار النضال الدبلوماسي السياسي المباشر مع الحكومات والبرلمانات والقيادات والرؤساء والملوك الذين يختفي معظمهم عن الساحة بعد دورة  انتخابية رئاسية أو برلمانية، بينما تظل هذه الشخصية الرياضية محط أنظار محبيها حتى ما بعد ارتقاء روحها للسماء، ولنا في مارادونا الأرجنتيني مثال.. فنحن على عدالة قضيتنا بحاجة إلى دبلوماسية من نوع آخر، ودعونا نسميها (دبلوماسية الثقافة والرياضة والجمال) التي إذا خططنا لها جيدا سنحقق مردودا هاما يؤلف قلوب شعوب العالم لصالح حقنا التاريخي والطبيعي ونضالنا لانتزاعه وفق القوانين الدولية.

نعتقد أن لنضالنا السياسي الدبلوماسي والدعائي والإعلامي مسارات غير معروفة ومعهودة، ونقصد هنا تركيز الجهود على الشخصيات المؤثرة في العالم الموازية في ثقلها الجماهيري إن لم يكن أكثر للزعامات السياسية، بمستوياتها وتصنيفاتها كافة، فحضور الشخصية الثقافية، الرياضية والإعلامية الجماهيري، وقدرتها على التأثير على صعيد دوائر الضمير الشعبي إيجابا يفوق اليوم قدرة الشخصيات السياسية، التي غالبا ما تربط مصالح بلادها وأحزابها بمصالحها الشخصية، وتتخذ المواقف السياسية اتجاها الآخر بناء على ذلك وبما يحقق مكاسبها الشخصية والمنفعية في الاستمرار بالحكم وتبوء مقام النفوذ في بلادها، أما الشخصية الثقافية كالسينمائية والمسرحانية والموسيقية والروائية والأدبية، فإنها أكثر اتزانا ودقة في تحديد مواقفها تجاه القضايا الإنسانية والسياسية العادلة، وينطبق الحال على الشخصية الرياضية التي نرى اليوم تأثيرها المباشر على مشاعر وعواطف الجماهير بقدرة خارقة  لجغرافيا الدول والأقاليم والقارات والأعراق واللون والجنس، ولا يكلفها ذلك سوى الإبداع في مجالها المحبب لمعظم سكان البسيطة، وخير مثال على ذلك كرة القدم الأكثر شعبية بين الرياضات جميعها، فالجماهير على تنوع انتماءاتها الوطنية تلتقي على شخصية كمصدر إلهام، تتبعه وتتابع كل لحظة في حياته وسلوكه ومواقفه،  ونعتقد أن الاحتفالات والاحتفاءات التي نشهدها بشخصية رياضية في بلده أو خارجها خير دليل على ما نقول، فالجماهير تتجاوز كل الحواجز والخلافات القائمة في مجتمعاتها وتحديدا السياسية في بلد ما للإعراب عن ابتهاجها، أو فرحها بإنجاز يحققه فريق ناد رياضي أو منتخب، ويشاركها في أنحاء العالم مئات ملايين المعجبين بشخصية رياضية في هذا المنتخب أو ذاك، أو لاعب في ناد عريق ذي سمعة عالمية، وقد لا نتفاجأ إذا علمنا أن يابانيين مثلا يتكلفون كثيرا لحضور مباراة في دوري في أوروبا، ونعتقد أن ما شهدناه في مونديال قطر 2022 أعظم دليل على إمكانية تجسيد نبل الرياضة في رسالة ذات مضمون سياسي حق وعادل ونبيل، أو رفع الموقف السياسي للجماهير إلى مستوى نبل المبادئ الإنسانية في الرياضة.

ونذكر في هذا السياق كيف أن منتخب إيطاليا الذي فاز بكأس العالم لكرة القدم عام 1982 قد أهدى الإنجاز للثورة الفلسطينية التي كان مناضلوها ومقاتلوها يقاتلون قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي بكل صنوف أسلحتها البرية والجوية والبحرية المدمرة أثناء غزوها بيروت وحصارها قبل أربعين عاما، فهؤلاء الرياضيون النبلاء لم يغفلوا وهم يلعبون للفوز بالكأس ونيل لقب الأبطال في منافسة تتوفر فيها كفاءات وقدرات متقاربة نوعا ما، لم يغفلوا عن بطولة مقاتلي حركة التحرر الوطنية  الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية وهم يتصدون لعدوان دام حوالي تسعين يوما بدون أدنى مقارنة لمبدأ التكافؤ في السلاح والعتاد والعدد.