الاحتفاء باللغة العربية
نبض الحياة - عمر حلمي الغول

اللغة، مطلق لغة من لغات الأرض، هي أداة تواصل وتفاهم اجتماعي، وهي الحامل لمكنونات وأحاسيس أبناء هذا الشعب او ذاك، وتحويلها لفعل في الواقع المحدد ضمن شروط الزمان والمكان، وهي حاضنة الموروث الحضاري. وهي مصدر اعتزاز الشعوب الناطقة بها. لكن اللغات من حيث المكانة والسعة والتطور والمصادر الأساسية ليست واحدة، وتختلف اللغات عن بعضها البعض، رغم وجود القواسم العامة المشتركة فيما بينها.
ويمكن الجزم بان اللغة العربية واحدة من أهم اللغات، ليس السامية فقط، وانما اللغات العالمية لغناها وارتكازها على مليون مصدر، والتي تتطور وتزداد تألقا وجمالية وحداثة، وهذا التشخيص لا يرتكز على بُعد شوفيني، وليس انتقاصا من قيمة ومكانة لغات الشعوب العالمية الأخرى، وانما انصاف للغة القرآن الكريم.
كما ان لغة الضاد يتداولها ويحكي بها، ويستخدمها قرابة النصف مليار إنسان، أضف الى ان الشعوب الإسلامية التي قاربت على ملياري نسمة يستخدمونها في صلواتهم، وهو ما يعكس قوتها وحيويتها وأهميتها للشعوب العربية والإسلامية التي تتحدث بها، وحتى لأتباع الديانات السماوية الأخرى وللعالم، كونها تاريخيا وفي زمن النهضة العربية الإسلامية شكلت رافعة هامة للعلوم الإنسانية في الفلك والطب والحساب والجبر والهندسة والأدب بصنوفه المختلفة الشعر والقصة والرواية والخطابة والعلوم الإنسانية المختلفة.
ولا أضيف جديدا، عندما أؤكد، ان اللغة العربية تضاهي اللغة الإنجليزية في ثقلها في علم اللسانيات. رغم ما تعرضت له من قبل قادة الاستعمار الانكلوسكسوني من اجحاف وظلم، وسعيهم وفق مخطط معد ومدروس لدفعها للزوايا المظلمة، وتهميشها خشية من دورها ومكانتها واثرها العظيم في تطور المجتمعات العربية والعالمية، وازدهار الحضارة العربية، التي تشكل اللغة إحدى أدواتها الأهم في التعريف بها، وتقديمها بالشاكلة الحداثوية والمهنية والاناقة البلاغية التي تليق بها.
هذا وتزداد عظمة وإبداع اللغة العربية بمساحاتها التعبيرية الواسعة بما يمنحها الكفاءة والأهلية السلسلة على تعريب وترجمة مختلف العلوم والآداب العالمية الأخرى، وسرعة التجاور والمثاقفة مع لغات الشعوب الأخرى، وهذا يعود للكم الواسع من المترادفات اللغوية، ولسعة البلاغة والمحسنات البديعية وغيرها من أدوات النحو المساعدة في تألقها ومضاعفة قدراتها اللغوية.
لكن لتتعاظم مكانة وحيوية اللغة تحتاج دوما وبشكل دوري من قبل المرجعيات اللغوية في مختلف الأقطار العربية الى النهوض بها، واغنائها بالمفردات الجديدة، ومضاعفة ارتقائها لإدماج العلوم الحديثة، وخاصة مفاهيم ثورة الاتصالات والمعلومات، وتبسيط علم القواعد اللغوية. لا سيما وأن هناك تعقيدات عديدة في علم النحو، ولتقريبها من الوافدين الجدد الراغبين بتعلمها والاستزادة منها ومن ينابيعها اللغوية المعرفية تملي الضرورة تجسير الدخول لها، وتقليص حدة وصعوبة العملية النحوية، دون الانتقاص من مرتكزاتها وقواعدها الأساسية الناظمة لجمالياتها وفرادتها وتنوعها وغناها.
أيضا تحتاج اللغة الى تعميق عملية المثاقفة والتكامل مع اللغات الأخرى، وتطوير علم اللسانيات بما يؤمن لها احتلال مكانتها اللغوية التي تتواءم معها، ودفعها قدما في مقدمة اللغات العالمية، وهذا مرتبط أيضا بمدى تقدم وتطور الحضارة العربية، ونهوض المشروع القومي العربي التنويري، والتخلص من التبعية للانكلوسكسونية والفرانكوفونية أو غيرها من المدارس اللغوية والثقافية الأجنبية. ومحاربة كل المظاهر الفاسدة والمفسدة للغة، التي يحاول ان يروج لها بعض القوى من خلال تعميم اللهجات على حساب اللغة الفصحى، أو الكتابة كما يتم اللفظ، وغيرها من الظواهر التي تسيء لها.
وقبل ان اختم، بودي هنا ان اضم صوتي لما اقترحه الدكتور جورج جبور، رئيس الرابطة السورية للأمم المتحدة، بضرورة تغيير يوم الاحتفاء باللغة العربية بدلا من يوم الـ 18 من كانون الأول /ديسمبر من كل عام، وهو اليوم الذي تبنت فيه الأمم المتحدة اعتماد اللغة من العام 1973 كلغة سادسة، واختيار تاريخ ومناسبة اكثر تعبيرا وانسجاما مع أهمية ومكانة اللغة العربية، فإما ان يكون يوم نزول الوحي على الرسول العربي الكريم، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، أو يوم ميلاد الشاعر الخالد أبو الطيب المتنبي، أو أحد الأيام العظيمة في سجل العرب الذهبي.
وكل عام ولغتنا الجميلة أكثر جمالا، وأكثر عظمة وتطورا وتفوقا وعصرنة، واكثر ليونة وبهاء وحداثة.