الإرشاد الزواجي والأسري بين الحاجة والضرورة
بقلم: منال سعادة ومنتصر حمدان*

شرع الله سبحانه وتعالى لنا الزواج الذي هو أساس الحياة وجعله سكنا ومودة ورحمة من أجل بناء أسرة متماسكة يستقر بها المجتمع، ويسوده الأمن والاستقرار والسلام، وكلما كانت العلاقة الأسرية متينة؛ أدى ذلك إلى تكوين علاقات وروابط اجتماعية سليمة بين أفرادها من جانب، وأفراد المجتمع ككل من جانب آخر؛ حيث تعتبر الأسرة اللبنة الأساسية الأولى، والمؤسسة التربوية والاجتماعية التي ترعى أبناءها، وتنشئتهم اجتماعيا ونفسيا، وتربويا، وسياسيا، واقتصاديا، ووجدانيا، ومعرفيا.
لذا، تعتبر الأسرة المؤسسة الاجتماعية الأولى ذات الدور الفعال المؤثر، والمستمر في تنشئة أفرادها على النظم، والعلاقات، والضوابط الاجتماعية السائدة في المجتمع، ومن أجل الحفاظ على هذا الزواج وتحقيق الهدف من وجوده؛ لا بد من تظافر جهود المرشدين النفسيين، والتربويين، والأخصائيين الاجتماعيين، والإعلاميين، وذلك برعاية سيادية وحكومية من قبل مؤسسات صنع القرار الممثلة في سيادة رئيس دولة فلسطين السيد الرئيس محمود عباس حفظه الله؛ من أجل إعداد برامج إرشادية زواجية وأسرية متخصصة مجانية للمقبلين على الزواج؛ لتحقيق الهدف المنشود منه، وللحد من الاضطرابات داخل الأسرة، ومن انتشار ظاهرة الطلاق في المجتمع الفلسطيني التي أضحت بنسب متزايدة بشكل غير مسبوقة، نظرا للظروف الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وحالة العولمة الثقافية، والتطور التكنولوجي، وغيرها من الظروف والتحديات التي على مجتمعنا أن يواجهها متماسكا ومستقرا، فقد باتت نسبة الطلاق تزيد عن (20%) بناء على إحصاءات منشورة في العديد من الدراسات والمراكز ذات العلاقة في فلسطين.
والزواج هو نقيض للطلاق؛ حيث إن الثاني يعتبر ظاهرة اجتماعية وإنسانية مستمرة؛ لكونها تلامس المؤسسة الأولى في المجتمع، ألا وهي الأسرة، ولكونها ظاهرة قديمة حديثة تحدث في كافة المجتمعات الإنسانية بنسب مختلفة، حيث إن أسباب حدوثها متغيرة ومستمرة من مجتمع إلى آخر، ومن جيل إلى آخر حسب الظروف السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتكنولوجية التي يمر بها الوطن الحبيب.
وبما أن الطلاق ظاهرة تهدد بنية النسيج الاجتماعي الفلسطيني، ولها انعكاسات وآثار سلبية، فإنها تظهر من خلال التفكك الأسري، وارتفاع الجريمة، والانحراف الأخلاقي، والتشرد، والضياع، والجنوح، والمشكلات التربوية، والنفسية، والسلوكية لأبناء المطلقين.
إن ارتفاع نسبة الطلاق زادت الأمور تعقيدا؛ ومن هنا، فنحن كطلبة دكتوراة إرشاد نفسي وتربوي في جامعة القدس المفتوحة، ندق ناقوس الخطر بضرورة عمل مراجعة شاملة لظاهرة الطلاق والعمل على بناء الأسرة بشكل صحيح منذ بدايتها، ونرى أنه يتوجب على صناع القرار تبني برامج إرشادية زواجية وأسرية إلزامية، ومجانية لتدريب المقبلين على الزواج على ماهية متطلبات الحياة الزوجية والأسرية في مختلف الجوانب، كون الهدف من هذه البرامج يكمن في تحقيق السعادة والرضا الزواجي على مستوى الفرد، والأسرة، وبالتالي المجتمع. ويكون ذلك من خلال تقديم الإرشاد والتدريب للمقبلين على الزواج حول كيفية التعامل مع الخلافات الزوجية، والمشكلات الضاغطة والطارئة على هذه الحياة بشكل صحي؛ لتكون حياة سعيدة ومتوافقة.
لذا، فإن توافر الإرشاد الزواجي على مستوى المراكز الإرشادية، والمؤسسات الخاصة بهذا المجال، سيساعد الأزواج على اكتساب آليات، ومهارات تساعدهم على خلق استقرار زواجي أكثر نجاحا، كما يساعد الأشخاص المقبلين على الزواج من اكتساب مهارات في كيفية اختيار الشريك المناسب، وإدارة مؤسسة الزواج بطريقة صحيحة ومتوازنة، وسيساعد العازفين عن الزواج لإعادة تقييم ذواتهم ونظرتهم للموضوع بطريقة أكثر شمولية والإقبال عليه.
إن ما يحدث اليوم داخل مجتمعنا من بروز لحالات تفكك أسري، وخلافات أسرية، وجمود وتبلد في العلاقات العاطفية، وغياب الدور الفعلي للإرشاد الزواجي والأسري، كاف لإدراك أهمية وجود تدخلات، وأساليب استراتيجية ونظرية، وعملية، يقودها مرشدون متخصصون من ذوي الخبرة في الجانب الزواجي والأسري تحت مسمى الإرشاد الزواجي والأسري.
وانطلاقا من مفهوم الإرشاد الزواجي وبعد الاطلاع على تجارب مشابهة في دول مختلفة من أنحاء العالم، ونخص بالذكر النتائج الإيجابية منها، وتأثيرها المباشر في انخفاض نسب الطلاق، فلا بد لمؤسساتنا الحكومية والخاصة من النظر لهذه التجارب والاستفادة من إيجابياتها بما يتلاءم مع عادات، وتقاليد، وثقافة مجتمعنا الفلسطيني؛ حيث إننا كدولة فلسطينية لنا تجربة رائدة وناجحة ومشابهة في مجال مؤسسة الزواج والحفاظ عليه من أي نتائج غير مرغوبة، وكان ذلك عندما أصدر الرئيس الراحل (ياسر عرفات) قرارا لقاضي القضاة في العام 2000م بإلزام المقبلين على الزواج بإجراء فحص الثلاسيميا قبل عقد القران؛ للحد من انتشار هذا المرض، وأصبح شرطا من شروط إتمام عقد الزواج اجتياز هذا الفحص.
واستنادا إلى ذلك، نقترح أنه من الضروري تبني وتطوير برامج إرشادية زواجية للمقبلين على الزواج قبل عقد القران، على أن تكون هذه البرامج مجانية وإلزامية، وأن يجري تطوير مواد ذات علاقة بالموضوع ووضعها على أجندة الجامعات، ومراكز التعليم والتدريب، والمؤسسات العاملة في المجال إن وجدت؛ لتوعية الجيل القادم بماهية الزواج وشروطه، ومتطلباته، وخياراته، وأصول التوافق فيه، وأن يكون هناك جهات رقابية فاعلة تعمل في هذا المجال (الإرشاد الزواجي والأسري)، على أن تكون هذه الجهة ذات اختصاص، وخبرة، ومعرفة لنستطيع تنفيذ هذه البرامج بطريقة مهنية علمية، وعملية دقيقة، ومدروسة، وأننا على قدرة بتطوير مثل هذه البرامج والخطط، ونمتلك الخبرة والكفاءة والمعرفة المهنية في هذا المجال، ولدينا طاقات إيجابية؛ لإفادة مجتمعنا.
لذلك نتمنى من صناع القرار والسياسات تبني هذه البرامج، والخطط؛ لتصبح واقعا ملموسا في مجتمعنا الفلسطيني للحفاظ على تماسك أبنائه، وتنشئتهم تنشئة سليمة، وللتقليل من ظاهرة الطلاق التي أصبحت تؤثر سلبا على كثير من خصائص مجتمعنا وخصاله.
--------------
* طلبة الدكتوراة في الإرشاد التربوي والنفسي - مساق الإرشاد الزواجي- جامعة القدس المفتوحة