نتنياهو يقود إسرائيل إلى الإفلاس السياسي والأخلاقي
باسم برهوم

شعرت وأنا أشاهد مقابلة أجراها جوردن بيترسون مع نتنياهو براحة لم يسبق أن شعرت بها في تاريخ حياتي مع الصراع، لأن هذا الرجل قد أظهر كم هو مفلس سياسيا وأخلاقيا، وانه اليوم يقود إسرائيل للإفلاس السياسي والأخلاقي.
في المقابلة كرر نتنياهو الأكاذيب الصهيونية الكلاسيكية، وكان يتحدث كطاوس وكأنه وحده من يمتلك الحقيقية، والأهم انه تحدث وكأن المشاهد ساذج يمكن التلاعب بعقله ببساطة. كرر نتنياهو مقولة "ارض بلا شعب"، عندما قال: جاء اليهود إلى هذه الأرض ووجدوها خرابا ومهجورة لا سكان في. وأضاف الى الأكاذيب القديمة أخرى جديدة عندما ادعى ان الفلسطينيين جاءوا الى فلسطين من الدول العربية المجاورة بعد ان حسنت الصهيونية والمستوطنون اليهود مستوى المعيشة وحولوا الأرض المهجورة الى جنة.
المقابلة اجريت عبر دائرة الفيديو كونفرنس، في الخلفية التي كان يتحدث منها نتنياهو رأينا أنه من بيت المواطن الفلسطيني حنا سلامة، كان يكذب ويزور التاريخ وهو يجلس في بيت فلسطيني شردته العصابات الصهيونية في حرب 1948.
كان يقول ان فلسطين كانت أرضا مهجورة خالية من السكان وهو يعيش في فيلا المواطن الفلسطيني حنا سلامة الذي توفي لاحقا في لبنان قهرا وحسرة مع ذكرياته الأجمل في بيته في حي الطالبية الفلسطيني الراقي في القدس.
المتواطئ بيترسون يعلم تماما ان نتنياهو يعيش في بيت مواطن فلسطيني استولى علية بالقوة، لكنه لم يسأله سؤالا واحدا عن صاحب منزله الأصلي لأنه لو سأل لكانت أكاذيب نتنياهو قد تهاوت كقصر من الرمال أمام المشاهدين، كما لم يسأل بيترسون عن ملفات الفساد لأنه أيضا لو سأل سيظهر أن مزور التاريخ هو مفلس أخلاقيا، والمفلس أخلاقيا لا يمكن ان يتكلم باسم الحقيقة.
دعونا من بيترسون الشريك السيئ في التزوير، فلو سألنا اليوم أي إسرائيلي يهودي موضوعي وعاقل كيف تصف لنا نتنياهو؟ لكان سيجيب ببساطة: هذا الرجل كذاب وفاسد ومفلس اخلاقيا. فكيف يكون هذا المفلس ناطقا باسم التاريخ؟
ودليل الإفلاس، وهو ما قد يغفل عنه البعض، ان أيا من القنوات الأميركية المعروفة التي تتمتع بنوع من المصداقية لم تجرِ مقابلة واحدة مع نتنياهو منذ فوزه هو وعصابات الفاشيين في الانتخابات الأخيرة في إسرائيل، بما في ذلك قناة "فوكس نيوز" المحسوبة على اليمين المحافظ، لم يجد نتنياهو سوى صديقه بيترسون ليقابله على قناته الشخصية على الـ"يوتيوب"، وعلى مثل هذه القنوات يمكنك ان تكذب وتزور كما تشاء، وان تكون شعبويا بلا حدود.
انطلق نتنياهو، وبنفس الأسلوب الصهيوني التقليدي، وكأن التاريخ يبدأ وينتهي من أساطير العبرانيين، أو ان كتابة التاريخ عملية جامدة، وانه رواية تكتب من طرف واحد، كتابة التاريخ أو إعادة كتابته تخضع باستمرار لإعادة تدقيق وتقييم. واكبر دليل أن المؤرخين الاسرائيليين الجدد الذين أعادوا كتابة تاريخ حرب عام 1948، اعترفوا خلالها بعملية التطهير العرقي التي قام بها جيش الاحتلال الإسرائيلي على نطاق واسع تجاه الفلسطينيين، التي طالما اخفتها وأنكرتها الرواية الإسرائيلية الرسمية، وإذا عدنا الى الخلف أكثر، وعلى سبيل المثال، لم يأت في تاريخ المصريين القدماء أي شيء عن قصص التوراة، وهنا الحديث يدور عن آخر ما توصل له المؤرخون والباحثون في التاريخ المصري المكتوب، على العكس من ذلك فقد ذكر هذا التاريخ فلسطين ولم يرد فيه ذكر لإسرائيل وبني إسرائيل.
اعتقدنا ان الإسرائيليين قد تجاوزوا هذه الرواية العقيمة وهذا النقاش العقيم للتاريخ، حتى المؤرخون الاسرائيليون اعترفوا بوجود الشعب الفلسطيني الذي انكره هيرتسل وهو يركب الرواية الصهيونية الزائفة، وحتى إسرائيل الرسمية اعترفت بالشعب الفلسطيني وبحقوقه السياسبة عام 1993 في إطار اتفاقيات اوسلو، حتى هرتسل لاحظ وجود الشعب الفلسطيني، فمنذ البدايات، وبعد المؤتمر الصهيوني الأول ارسل هرتسل حاخمين نمساويين الى فلسطين ليوافوه بالواقع هناك، وعندما وصلا وتجولا في فلسطين عام 1900، أبرقا له بالحرف "تبين لنا ان للعروس زوجا"، أي انهما وجدا ان لفلسطين شعبا فما العمل؟ والعمل كان بالنسبة لهيرتسل والصهيونية هو تهجير الفلسطينيين بالاغراءات وان لم يكن فبالقوة.
نتنياهو المفلس يريد عبر إعادة اجترار الأكاذيب أن يبدو وكأنه لا يزال المدافع عن الصهيونية والرواية الصهيونية لكنه حتى في هذا الادعاء هو يكذب لأنه غارق بالفساد.