35 عاما من الردة
نبض الحياة - عمر حلمي الغول

ونحن نحث الخطى لترجمة اتفاقات المصالحة عموما، وآخرها إعلان الجزائر الصادر في أواسط تشرين الأول/ أكتوبر 2022، وحيث تعقد الفصائل الفلسطينية في هذه الأثناء اللقاء مع القيادة الجزائرية لوضع آليات لتنفيذ المصالحة، ومن باب التمسك والحرص على الوحدة الوطنية، وإنهاء صفحة الانقلاب الأسود، الذي مضى عليه 15 عاما، هي الأسوأ في تاريخ الشعب الفلسطيني، وتوازي بأخطارها عام النكبة في 1948، لما أحدثته من انعكاسات دامية وخطيرة على مستقبل وحدة ومصير الشعب والقضية الوطنية.
تفرض الضرورة إبراز تلك الأخطار وتداعياتها على المجتمع الفلسطيني برمته، وعلى أبناء محافظات الجنوب خصوصا، والرد على ادعاء قيادات فرع جماعة الإخوان المسلمين في غزة، الذين تحدثوا عن "إنجازات الانقلاب"، التي لا أساس لها في الواقع، وبهدف أولا تحفيز كل صاحب ضمير للاندفاع نحو الوحدة، ووقف حالة التشظي؛ ثانيا إعادة الاعتبار للشراكة السياسية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد؛ ثالثا تعزيز عوامل الصمود والتصدي للفاشية الصهيونية وأسيادها في الغرب الرأسمالي وخاصة الولايات المتحدة؛ رابعا وضع الخطط والسيناريوهات الوطنية لحماية الحقوق السياسية والقانونية والأهداف والثوابت الوطنية في ظل المتغيرات الدولية الراهنة والمستقبلية.
ولا أنطلق في محاكاة سنوات الانقلاب الحمساوي الخمس عشرة على الشرعية من باب نكْء الجراح، وإنما لتصويب الحقائق، وتذكير الشعب بكل أطيافه، إن مجرد وجود فكرة للانقلاب على الشرعية الوطنية، ولاستهداف منظمة التحرير الفلسطينية، ووحدة الأرض والشعب هو خطيئة تاريخية، ويتنافى مع أس وجذر الهوية الوطنية، ولا يتوافق نهائيا مع أي من مرتكزات الكفاح الوطني التحرري، لا بل إنه على النقيض الكلي والمطلق مع ذلك.
دون إطالة في أهمية الوحدة والحاجة اليها، ومن زاوية أخرى أخطار الانقلاب على الشرعية أواسط عام 2007 في محافظات الجنوب، وحرصا على الحقيقة، فإني أدون هنا أبرز عوامل الردة الإخوانية على القضية والمشروع الوطني، منها: أولا إن خيار الانقلاب وتمزيق وحدة الشعب الفلسطيني كانت وما زالت هدفا إستراتيجيا للعدو الصهيوأميركي، وهي من غذته مع حلفائها في الإقليم، وطرح هذا الخيار في أروقة مراكز البحث الإسرائيلية عام 1988، ومنها مركز "جافا" الصهيوني، أي قبل الانقلاب بعقد من الزمن، وهذا ما أكده نتنياهو، رئيس الحكومة المكلف مرات عدة؛ ثانيا أحدث الانقلاب شرخا سياسيا وقانونيا وثقافيا عموديا وأفقيا، وترك بصمات سلبية حادة ومميتة على مستقبل القضية ووحدة الشعب وممثله الشرعي والوحيد، لا سيما أن حركة حماس سعت وما زالت حتى الآن، رغم أنها مشاركة أيضا الآن في حوارات الجزائر تسعى لتشكيل إطار مواز للمنظمة، وهذا يتنافى مع أبرز محددات الوحدة؛ ثالثا ساهم الانقلاب بشكل مباشر في أيامه الأولى باغتيال وقتل وجرح قرابة الألف مواطن، وقامت باعتقال المئات بل الآلاف من منتسبي حركة فتح والأجهزة الأمنية؛ ثالثا انقلبت على الدستور (النظام الأساسي) وضربت بعرض الحائط النواظم القانونية للنظام السياسي التعددي الديمقراطي، وما زالت تسن التشريعات المتناقضة والانقلابية على النظام الأساسي لتثبيت ركائز انقلابها اللاشرعي والمتناقض مع ألف باء الوطنية الفلسطينية؛ رابعا ساهم الانقلاب مباشرة بدفع 12% من سكان قطاع غزة للهجرة خلال الأعوام الـ 15 الماضية؛ خامسا أدى الانقلاب وسياسات حركة حماس البوليسية القمعية إلى إجبار 17 ألف مواطن فلسطيني على الهجرة من القطاع حتى الآن؛ سادسا نجم عن الانقلاب أكبر نسبة بطالة في تاريخ الشعب الفلسطيني، والتي وصلت في محافظات الجنوب إلى 75% من اليد العاملة، والزج بحوالي 80% من السكان تحت خط الفقر، ومعاناة ما يزيد عن 65% من أبناء الشعب في القطاع من انعدام الأمن الغذائي، وساهم أيضا بإلقاء 360 مواطنا من عام 2014 إلى الآن في متاهة الموت في أعالي البحار؛ سابعا ضاعف الانقلاب من حالات الانتحار في أوساط السكان، وخاصة بين فئة الشباب من الجنسين، وانتشار ظواهر خطيرة مثل التجارة بالمخدرات، وتفشيها داخل المجتمع، بالإضافة للدعارة وسفاح المحارم والسرقة واللصوصية والاغتصاب، وانتشار مظاهر الفساد بأشكاله وألوانه المختلفة، ونهب جيوب الشعب عبر الضرائب المتوالدة كالفطر حتى عمقت من فقر السكان؛ ثامنا انتفاء كلي للديمقراطية وحرية الرأي والرأي الآخر، وممارسة الاضطهاد على المرأة، وسن قوانين معادية لحقوقها الدنيا، وفرض الجلباب والحجاب على النساء وما يسمى عدم الاختلاط بين الجنسين؛ تاسعا ورط الانقلابيون الشعب بخمس حروب متعاقبة حتى الآن، ما أدى إلى استشهاد المئات وآلاف الجرحى، وتدمير البنى التحتية، وخلق جيش من أصحاب الإعاقات نتاج سياساته وأجنداته الفئوية، التي لا علاقة لها بحق العودة، ولا بالنضال الوطني، وما زالت حتى الآن المئات من العائلات بلا مأوى.. إلخ من الخطايا وعناوين الردة المميتة.
مع ذلك، يقول الكل الوطني، تعالوا إلى جادة الصواب، إلى بيت الوطنية الفلسطينية، منظمة التحرير وعلى أرضية الشراكة السياسية وفق برنامج الإجماع الوطني، وبعد إجراء الانتخابات على كافة الصعد الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني الجديد، ودون استئثار أو تجاوز لحقوق أي قوة أو شخصية وطنية مستقلة لنصفع العدو الصهيوني على وجهه، إن كنتم جادين ومعنيين بالوحدة الوطنية، كما جاء في كلمة رئيس الحركة إسماعيل هنية من الدوحة التي ألقاها بذكرى الانطلاقة الـ 35 للحركة يوم الثلاثاء الماضي الموافق 13/12 الحالي.
الباب الوطني لم يغلق في لحظة من اللحظات، رغم الجراح والمآسي التي سببها الانقلاب الأسود، وعليكم أن تتوطنوا في المشروع الوطني، وتبتعدوا عن أجندة الإخوان المسلمين، إن كنتم صادقين في تصريحاتكم وخطاباتكم المتكررة. وهذه ليست شروطا بقدر ما تمثل مرتكزات للوطنية الفلسطينية، لا سيما أن أجندة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين تتنافى مع روح الوطنية الفلسطينية والقومية العربية. وتذكروا أن لا مستقبل لحركتكم، ولا لأي حركة أو فصيل خارج البيت الوطني الفلسطيني مهما سيطرتم على قطاع غزة.
[email protected]