عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 11 كانون الأول 2022

لا تجرؤ على القول..!

تغريدة الصباح - حسن حميد

أكاد لا أصدق ما حدث لي مع هذه المستشرقة الانجليزية التي قرأت في كتبنا حتى غدت تعرف ما فيها مثلنا أو أقل، وعرفت حياتنا وخبرت ما فيها من عادات وتقاليد وأعراف وتصورات حتى أدركت معظمها وما ترمي إليه.

كنا في مؤتمر للرواية، عقد في القاهرة بالتناوب سنويا مع مؤتمر الشعر، فجاءت لتقدم لنا بحثا عن روايات إحسان عبد القدوس، وما دارت رواياته حوله: من علاقات عاطفية متبوعة بالخيانة (حتى صارت طبعا من الطباع)، وغياب المصداقية والانحناء أمام المصالح، والتضحية بالقيم، خلال أسبوع، تعرفت إلى كاترينا بارنز، فهي امرأة في العقد الخامس من عمرها، درست اللغة العربية، في جامعة أكسفورد، وعمقت دراساتها في اللغة العربية في القاهرة، بل تعلمت اللهجات المصرية باختلاطها اليومي مع الناس في القاهرة، والإسكندرية، وأسوان، وهي امرأة جميلة في صورتها، وطولها، وصراحتها. ومعرفتُها بالرواية العربية غنية، لقناعتها، بأن خير من يعرف بالمجتمع العربي، والشخصية العربية في آن هي الرواية.

قالت لي، وقد استمعت إلى شهادتي التي قدمتها في المؤتمر الذي عقد تحت عنوان (المدينة في الرواية العربية)، كيف تقول إنك ليس ابن مدينة، وليس ابن ريف، وتقر بأنك ابن مخيم، وهل المخيم الفلسطيني ليس مدينة وليس ريفا قلت: نعم هو كذلك، ليس كهذه، ولا كذاك، إنه تجنيس جغرافي اخترعته الثقافة الدموية الإسرائيلية التي رعيتموها أنتم، فكنتم عشها وشجرتها ، قالت: كيف؟! قلت: معظم رواياتكم في القرن التاسع عشر  تحدثت عن اليهودي الضحية في مجتمعاتكم، وأنه لا بد من إنقاذه، وقد تحدثت رواياتكم عن هذا قبل أن يتحدث شيوخكم ولورداتكم في الأروقة السياسية، قالت: أتذكر لي أمثلة؟! قلت: أنت تعرفين الأمثلة أكثر مني، إلا إذا كنتُ، امامك، في امتحان، فأنا أعطيك أمثلة، قالت وهي تبتسم ابتسامة حيادية، ولكنها بيضاء: أنت في امتحان!

قلتُ، أحيلك إلى روايات بنيامين ديزرائيلي (1804-1881)، ومنها (تانكرد أو الحروب الصليبية الجديدة) التي تتحدث عن تمسكه بالجذور اليهودية، والتحالف الذي سماه (بالمقدس) بين اليهود الراغبين بالعودة إلى فلسطين وبين بريطانيا الاستعمارية الراغبة في السيطرة على فلسطين باعتبارها الجارة لقناة السويس (الشريان الحيوي البريطاني آنذاك) ثم ثلاثيته الروائية (سيبيل) التي تتحدث عن أمتين، واحدة غنية يهودية، والأخرى فقيرة انجليزية، وحاجة إحداهما للثانية ملحة.

قالت: ديزرائيلي، كتب رواياته هذه لأنه يهودي، مع أنه كان رئيسا لوزراء بريطانيا. قلتُ: وما بال جورج إليوت (1819-1880) التي اتخذت اسما ذكوريا، واسمها الحقيقي هو: ماري آن إيفانس؟! قالت: مالها؟! أراك تنبش في أوراق الماضي المتعفنة! قلت: لا، ليست متعفنة لأنكم تعيدون نشرها ( تشميسها) سنويا. هذه الكاتبة كتبت روايات عدة، ومنها روايتها (دانييل ديروندا) نشرتها سنة 1876، في أجزاء ثلاثة، وجلها موقوفٌ على الدعاية الصهيوينة، وضرورة العودة إلى القدس، لا بل وضعت خطة عمل من أجل هذه العودة، وقد غدت هذه الخطة من مرتكزات العمل الصهيوني فيما بعد، من تفعيل الهجرة اليهودية، إلى جباية الأموال، إلى تأسيس المستوطنات الإسرائيلية  فوق الأراضي الفلسطينية مهما كانت التكاليف، إلى نسج علاقات وشيجة مع وزراء الحكومة البريطانية،  ومع الشيوخ واللوردات!

قالت وعيناها تجولان حائرتين مثل طيور فزعة، أهذا كل شيء في رواياتها. قلت: لا، لقد تحدثت عن الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وقد مضى (عزرا) و(ميرا)- شخصيتان في الرواية- إلى القدس من أجل بناء دولة اليهود!

قالت: ماذا تريد أن تقول؟ قلت: أريد أن أقول ما قاله الفلسطيني إدوارد سعيد (1935-2003) إن استشراقكم ليس استشراقا معرفيا، بل هو الاستشراق الذي شق الطريق لثقافتكم الاستعمارية وساندها!

قالت: هذا ليس صحيحا. قلت: وما الذي تقولينه عن رواية (قلب الظلام) لـ جوزيف كونراد (1857- 1924) ، قالت: أنت انتقائي ومتطرف في انتقائك. قلت: أنت مستشرقة، و تعملين على الترجمة من العربية إلى الانجليزية، منذ ربع قرن، هل نقلت كتبا لـ غسان كنفاني، جبرا إبراهيم  جبرا، محمود درويش، سميرة عزام، سميح القاسم؟!

 قالت: هؤلاء يكتبون ضد اليهود، ودور النشر البريطانية لا تجرؤ على نشر كتابات تنتقد اليهود! يكفي أني نقلت أشعار السهر وردي (1155- 1191) والحلاج (858-922). قلت وأنا أبتسم: عندما يتصادق ثوران، يصبحان أكثر انسجاما في جر العربات الثقيلة، وحراثة الأراضي الأشد وعورة، ولكن مآل  صداقتهما عراكٌ على المذود!

قالت: ماذا تقصد؟!

الحق، كنت أود التعبير عما قصدته، لكن قدوم د. فيصل دراج، أحد أهم نقاد العرب الموجودين في مؤتمر الرواية، نحونا.. حال دون بيان قصدي!

ملاحظة: أخبرتني الانجليزية كاترينا بارنز، وقبل سفرها، إنها تعرف كل ما أخبرتها به، لكنها لا تجرؤ على الحديث عنه!

[email protected]