ما بين العالِم والعالِمة
تغريدة الصباح- محمد علي طه

ابتسمت مرّات عديدة وأنا أقرأ المقال الاستثنائيّ النّادر الذي كتبه المفكّر الكبير والنّاقد الأدبيّ والثّقافيّ العملاق إدوارد سعيد وعنوانه "احتفاء براقصة شرقيّة- تحيّة كاريوكا" ونشره في مجلّة لندنيّة في أيلول ١٩٩٠ وترجمه النّاقد السّوريّ البارز صبحي حديدي واختاره واحدا من "مختارات من كتابات إدوارد سعيد النّقديّة" في كتابه "إدوارد سعيد النّاقد، آداب التّابع وثقافة الإمبرياليّة" وتساءلت: ما الذي جعل ناقدا كبيرا ومفكّرا شهيرا يملك هذه القامة الشّامخة يسافر أكثر من مرّة من الولايات المتّحدة الأميركيّة ليلتقي براقصة أو عالمة (امرأة من نساء الليل) ويكتب عنها نصّا أدبيّا إنسانيّا جميلا مختلفا عن أعماله الأدبيّة والثّقافيّة مثل: الاستشراق، الثّقافة والإمبرياليّة، تأمّلات في المنفى، هذه الأعمال التي خلّدته واحدا من أهم مفكّري العصر.
كلّما قرأت نصًّا أو كتابا لإدوارد سعيد زاد إعجابي به مفكّرا ومثقّفا شجاعا، وذُهلت عندما قرأت سيرته الذّاتيّة "خارج المكان" التي صدرت في عام ١٩٩٩ قبل وفاته (٢٠٠٣) وكشف فيها عن طفولته الغربيّة الأجنبيّة التي لا تعرفها الغالبيّة العظمى من أبناء شعبنا وكشف فيها عن عالم بعيد عن دنيانا وعن حياة بعيدة عن حياة أهلنا في القدس ويافا وحيفا وغزّة والرّيف الفلسطينيّ.
يكتب سعيد عن طفولته "رغم ولادتي في القدس فإنّي قضيت معظم سنواتي التّكوينيّة الأولى في القاهرة…. كنت نتاج المدارس الاستعماريّة. كنت في مصر ولكنّي لست مصريّا، وأنا عربيّ ولكنّي لست مسلما، وأنا مسيحيّ ولكنّي بروتستانتيّ ولست كاثوليكيًّا، وأنا ناطق بالإنجليزيّة ولكنّي لست إنجليزيًا، وأنا أميركيّ ولم يسبق لي أن ذهبت إلى أميركا" ويضيف "إنّ إدوارد هو ابتكار خاصّ بأهلي، وأن يحمل المرء اسم إدوارد في العالم العربيّ أمر أقرب إلى النّكتة". ويكتب عن فترة شبابه التي كانت مشغولة بالدّراسة الجامعيّة وتخلو من الهمّ الوطنيّ ولا علاقة لها بالتّراجيديا الفلسطينيّة إلى أن وقعت هزيمة حزيران ١٩٦٧ وارتفع صراخ وغناء جنود الاحتلال على ضفّة قناة السّويس وقمّة جبل الشّيخ وساحة الأقصى وأزقّة القصبة في نابلس وغزّة فخلقت من سعيد الصّوت الفلسطينيّ القويّ المحارب في الغرب الذي أقلق وأرعب دهاقنة الإعلام الصّهيونيّ حتّى أنّ أحد الباحثين عمل سنوات عديدة كي يثبت أنّ إدوارد سعيد ليس فلسطينيّا.
خلال قراءتي لهذا المقال الجميل تخيّلت إدوارد سعيد جالسا على مقعد عاديّ في بيت الحاجّة تحيّة كاريوكا، السّيّدة الوقورة الطّاعنة في السّنّ والعالِمة في ماضيها ويتذكّر صيف ١٩٥٠، وكان عمره خمسة عشر عاما عندما ذهب إلى كازينو بديعة مصابني على ضفّة النّيل في الجيزة (موقع الشيراتون اليوم) ليشاهد الرّاقصة للمرّة الأولى في حياته ويسمع المطرب عبد العزيز محمود يغنّي لها "منديل الحلو" ثم يتابع في خياله رقصاتها وأدوارها في أكثر من مئتي فيلم سينمائيّ وزياراتها الكثيرة للولايات المتّحدة التي لخّصتها له في جملة واحدة: "لقد أحببت البشر لكنّي أكره الحكومة الأميركيّة" ويسألها إدوارد سعيد: كم مرّة تزوجتِ يا تحيّة؟ فتجيبه: مرّات عديدة. ويكتب إدوارد سعيد "واقترن صوتها بالصّفاقة المعهودة عند نساء الليل، وأضافت: لقد عرفت الكثير من الرّجال.
ولمّا سألتها إحدى الجالسات عمّن أحبّت من هؤلاء الرّجال ومن الذي تأثّرت به أكثر من سواه ردّت تحيّة كاريوكا بحدّة: لا أحد على الإطلاق. كانوا مجموعة رثّة من الأوغاد.
يكتب إدوارد سعيد: كانت تحيّة جزءا من اليسار القوميّ في مصر وكانت عضوة في "رابطة السّلام" وهي إحدى المنظّمات المرتبطة بموسكو في الخمسينيات من القرن العشرين وكانت هذه العضويّة سببا في سجنها في عهد الرّئيس عبد النّاصر. ويكتب إدوارد سعيد أيضا: إنّ تحية كانت جزءا من نهضة ثقافيّة أساسيّة وتيّار إحياء وطنيّ في الفنون. وهي مصدر معلومات هامّ جدّا لسلسلة من القضايا.