لماذا الفتوى من محكمة العدل الدولية؟!
سؤال عالماشي- موفق مطر

صحيح أن القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظماتها وعلى رأسها مجلس الأمن لم تحرر بلدا، ولم تفعلها الدول العظمى، إلا إذا خدمت مصالحها ونفوذها، إلا أن الحقيقة الثابتة أبداً أن الشعوب صاحبة القضايا المحقة المناضلة والمكافحة بالوسائل المشروعة في القانون الدولي، ميدانيا على الأرض – كما حالتنا نحن الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال والاستيطان الاستعماري العنصري ومنظومته (إسرائيل)، بالتوازي مع عمل دؤوب لا محدود لشرعنة الحق غير القابل للتصرف، وتثبيته للأبد في الذاكرة التاريخية السياسية والحقوقية للأمم (القرارات الدولية)، وأخذه قاعدة قانونية ضرورية لحشد مواقف قانونية وأخلاقية أيضا من الدول والحكومات والشعوب لصالحه، ولتشكيل شبكة أمان وحماية سياسية حقوقية قانونية مرتكزة على المواثيق والاتفاقيات الأممية.
يحتاج شعبنا لفتوى من محكمة العدل الدولية، رغم إدراك قيادته السياسية الحكيمة لماهية وأهداف وأبعاد الاحتلال الإسرائيلي، ومعرفتها الدقيقة بالتعقيدات التي صنعتها الدول الاستعمارية التي أنشأت إسرائيل لخدمة مصالحها، وتحديدا في تأثير نفوذها المباشر في صياغة القرارات الدولية في زمن سواد سياسة (القطب الواحد) من ناحية، وتأثير المنظمة الصهيونية المباشر عبر وسائل الإعلام والاتصال والتواصل، والأهم من ذلك ربط مصالح ومكاسب أحزاب وشخصيات وتمكينها ودعمها ماليا للوصول إلى سدة الحكم في دول كثيرة وفي القارات الخمس بتأييدها لسلطة الاحتلال (إسرائيل) من ناحية ثانية، ونعتقد أن الرئيس محمود عباس أبو مازن لم يوفر مناسبة دولية أو عربية أو فلسطينية إلا وأكد على هذا الأمر، إضافة لكتب عديدة ألفها بهذا الخصوص، تكفي لمد قارئها بطاقة عالية تفتح بصره وتمكن بصيرته من رؤية ما وراء الآفاق حتى.
ومن هذا المنطلق نجحت دولة فلسطين مع دول عربية وصديقة في إصدار قرار بتسعة عشر بندا، بعد تصويت (اللجنة الرابعة) وهي لجنة المسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار في الأمم المتحدة بأغلبية عالية . وما بين نص البند الأول التالي: "1 - تكرر تأكيد أن جميع التدابير والإجراءات التي اتخذتها إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، انتهاكا للأحكام ذات الصلة بالموضوع من اتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب، المؤرخة في 12 آب 1949، وبما يتعارض مع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، تدابير وإجراءات غير قانونية وباطلة، وتطالب إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، بالامتثال التام لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 وبالوقف الفوري لجميع التدابير والإجراءات المتخذة انتهاكا للاتفاقية وخرقا لها " .والتاسع عشر كان (البند 18) الذي تضمن القرار بصيغته الحرفية : "تقرر، وفقا للمادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة، أن تطلب إلى محكمة العدل الدولية، عملا بالمادة 65 من النظام الأساسي للمحكمة، أن تصدر فتوى بشأن المسألتين التاليتين، مع مراعاة قواعد ومبادئ القانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان ذات الصلة وفتوى المحكمة المؤرخة 9 تموز 2004:(أ) ما هي الآثار القانونية الناشئة عن انتهاك إسرائيل المستمر لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وعن احتلالها الطويل الأمد للأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 واستيطانها وضمها لها، بما في ذلك التدابير الرامية إلى تغيير التكوين الديمغرافي لمدينة القدس الشريف وطابعها ووضعها، وعن اعتمادها تشريعات وتدابير تمييزية في هذا الشأن؟ (ب) كيف تؤثر سياسات إسرائيل وممارساتها المشار إليها في الفقرة 18 (أ) على الوضع القانوني للاحتلال وما هي الآثار القانونية المترتبة على هذا الوضع بالنسبة لجميع الدول والأمم المتحدة؟.أما البند 6 فقد حمل مطالبة إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، بوقف جميع أنشطتها الاستيطانية وتشييد الجدار وأي تدابير أخرى ترمي إلى تغيير طابع الأرض الفلسطينية المحتلة ووضعها وتكوينها الديمغرافي، بما في ذلك داخل القدس الشرقية وحولها، ودعوتها :"التنفيذ الكامل لجميع قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن ذات الصلة، بما في ذلك قرار مجلس الأمن 2334 المؤرخ في 23 كانون الأول 2016".
إن طلب فلسطين عبر قرار أممي الفتوى أي الاستشارة من محكمة العدل الدولية في لاهاي، القائم على ثقة بأن العدل الدولية ستجيب بما يتفق مع قرارات الشرعية الدولية ومواثيق الأمم المتحدة، سيعزز قاعدة الموقف القانوني الفلسطيني بخصوص الأرض الفلسطينية المحتلة منذ حرب 5 حزيران سنة 1967، وستمد دولا وحكومات وبرلمانات شعوب صديقة بالثقة اللامتناهية لتطوير مواقفها والتقدم أكثر باتجاه الحق الفلسطيني التاريخي والطبيعي، كما سيدعم نضال المنظمة الدولية لمقاطعة إسرائيل (بي. دي. إس BDS) ...علاوة على أن الفتوى ستؤكد بأن الحالة القائمة في الضفة الفلسطينية بما فيها القدس عاصمة فلسطين وقطاع غزة حالة احتلال دائم، وجريمة يعاقب عليها القانون الدولي نظرا لوقائع التغيير الديمغرافي (السكاني) ومنع الشعب الفلسطيني من حق تقرير المصير المعترف به وبقيادته منظمة التحرير الفلسطينية وبدولته في الأمم المتحدة بصفة عضو مراقب، وأن الاحتلال الإسرائيلي وما ترتب عليه باطل ومقطوع الصلة نهائيا مع القانون الدولي، ما يعني ضربة قاتلة لدعاية سلطة الاحتلال بأنه احتلال مؤقت إلى حين التوصل لحل، مع الملاحظة أن رؤوس منظومة الاحتلال يكذبون أنفسهم بألسنتهم عندما يجاهرون بمشاريع الضم وإدامة السيطرة بالقوة العسكرية والقوانين العنصرية على المواطنين الفلسطينيين الأصليين فيها .. الأمر الذي يستدعي الضغط على إسرائيل للانسحاب الفوري دون شروط.
أما الأهم بالنسبة لنا نحن الشعب الفلسطيني وحركة التحرر الوطنية والقيادة السياسية فهو انتصارنا على جريمة الصهيونية بحق الإنسانية ضحيتها الشعب الفلسطيني حيث احتلت أرضه وطبقت سلطة الاحتلال إسرائيل أشد انواع التطهير والتهجير المرفوقة بالمجازر الدموية تحت عناوين مثل "الأرض الموعودة" ومقولة "أرض يهودا والسامرة".
نعمل على نصب ميزان العدل الدولي، وسنترك لضمير العالم الحكم بحرية من أجل الانتصار لحقنا في الحرية والسلام مثل بقية شعوب العالم.