عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 13 تشرين الثاني 2022

سيرته.. والبلاد!

تغريدة الصباح- حسن حميد

أجل،

ما كان لديه من الوقت ليستفرد بروحه كيما يرى صورته في المرآة، أو كيما يكتب سيرة حياته، ولم يكن لديه الوقت ليواقف ما عاناه، وما أوجعه، وما صدّ عنه، وما آذاه؛ كان الوقت، رغم اتساعه، ضيقاً وضيقاً جداً، فقد كان ينام ساعة أو أقل في النهار، لأنّه ما كان ينام  ليلاً، ليس عشقاً للسهر، وإنما ليرى صورة أهله من جهة، وتاريخهم وأفعالهم وما يحلمون به من جهة أخرى، ما كان لديه الوقت ليكتب لنا ما عاشه، وما رآه، وما أحبّه، وما خافه، وما كرهه، وما قاله، وما قيل له، لقد ترك لنا كلّ هذا لنكون رواته!

إنّه ياسر عرفات!

الرّجل الذي لم يكتب سيرته بالخبر، أو الحديث، أو التلقين، وإنما كتبها بالأحداث، والأفعال، والخُطا، والرؤى، والحادثات، والجسارة، نعم لم يكتب سيرته لأنه كان على قناعة بأمرين اثنين: أولهما، أنه لا وقت لديه ليجالس الورق، والحبر، وثانيهما: أنه أيقن أنّ سيرته يعرفها الفلسطينيون جيداً، ولأنهم سيكونون حفّاظها! ولكن من سيكتب أحزانه، ومشاعره، ومن سيقف عند حيرته التي لازمته طوال حياته وهو يفكر بسؤال واضح، لكن جوابه عصي وعنيد، وهو لماذا كلّ هذا الظلم الذي خيّم على الحياة الفلسطينية، وهل العالم بات في حالة العماء والخرس والطرش حين يواجه المأساة الفلسطينية ؟ ومن سيعرف ما لم يقله عن قناعات قادة العرب والعالم ورؤاهم تجاه المأساة الفلسطينية، هؤلاء الذين التقاهم  بلباس الفوتيك، لباس الفدائيين طلّاب الحرية والمجد معاً، ومن سيعرّف أجيالنا الطّالعة بالكتب التي قرأها، فكوّنت ثوابته ومبادئه، ومن هم الأوائل الذين تأثّر بهم فمشى في دروبهم، وما الذي أهمّه في طفولته، وفي مدرسته، وما الذي أغمّه وهو يبحث عن رفاق الطّريق ليؤسس كينونة من العشق والنبل والعزيمة لاستعادة حرية هذه البلاد الفلسطينية العزيزة، ولماذا بكى طويلاً، وهو يقرأ الوثائق والكتب التي أصدرتها بريطانيا منذ مطالع القرن العشرين، وحتى عام 1948 ولماذا بكى طويلاً وهو يقرأ قرارات عصبة الأمم، وهيئة الأمم، وكيف كان يبكي وهو الذي لم يعرف اليأس أو الانحناء؟ ومن الذي صلّب وقفته، وشدّ عزيمته، وقوّى روحه، وأيّد خطاه ورؤاه في أوقات المواجهة؟ وهل عاش حقّاً طرفاً من حياته دون مواجهة؟ ولماذا كان يبكي طويلاً، في عزلته، رفاقَ دربه الذين اغتيلوا هنا وهناك؟ وكيف استطاع أن يشتق من حزنه الكثيف ضوءاً عميماً، وما الذي رآه لكي يقول لنا: آت ذلك اليوم الذي سنرفع فيه علم فلسطين فوق أسوار القدس؟ وحينها كنّا، قرب سيارات الإعاشة، وفي الخيام، وفي دنيا واسعة شاسعة من الظلمة والتجاهل وإدارة الظهر! ومن سيروي لنا، كيف أضاء الحياة الفلسطينية وأمدّها بالحياة الجديدة حين صار الفدائي جليل المعنى، جليل الحضور، جليل الدرب، جليل الخاتمة، ومن سيروي لنا كيف جمع كلمة العرب المتشظية حول فلسطين، وحرية فلسطين، وعروبة فلسطين، وعقيدة الفلسطينيين؟! ومن سيروي لنا كيف افترع الدروب بالاقتدار الكامل نحو المعاني، نحو فضاءات العالم، ليكون قمراً في الحضور، والمعنى، والمكانة! ومن سيروي لنا ما همس به، وما جهر به، وما همهمه، وما فكّر به، وهو في الكهوف، والمُغر، وما حلم به وهو ينام قرب صخرة، أو في ظلّ شجرة، أو في قبو بناية مهجورة؟! ومن سيروي لنا عدد المرّات التي طارده فيها مطاردوه ليغتالوه، لأنهم أرادوا في اغتياله اغتيالاً للحلم الفلسطيني! ومن سيروي لنا، سيرة الشتات والتشرد التي أطبقت على صدورنا مثل الصخور، ونحن  نسمعه يردد: عائدون، عائدون!

الآن، وقد مرّت سنوات على رحيل سيّد الحضور والمكانة،  ياسر عرفات، نسأل، من سيكتب سيرته التي تخصّنا، وتخصّ التاريخ، وتخصّ المبادئ، والحرية، والبطولة، مثلما تخصّ النبلاء، وأهل الشرف، وشعوب الأرض كافة؟ وكيف سنكتب هذه السيرة! أنكتبها بالعشق، والدموع، والرّجاء، والتلبّث، والفطنة، أم نكتبها بقلم التاريخ الذي آخى ياسر عرفات، وماشاه كيما يعرف هذا التاريخ صلابته، وصلابة أبناء فلسطين وعناده،وعنادهم الوطني وهم ينشدون في أقسى الأوقات، وأكثرها حزناً، وأبداها ضعفاً قولة ياسر عرفات: عائدون، عائدون!

أجل، مازال العارفون بسيرة ياسر عرفات وعشقه ورؤاه وأسراره أحياءَ بيننا، فهل نتخيّر من بيننا من يجالسهم ليستمع إليهم وهم يروون سيرة الرّجل الفذ، فيكتبها، لأنّ سيرته هي سيرة شعبنا الذي ضحّى بالحياة من أجل أن يبقى المعنى الفلسطيني كتاباً عزيزاً آباداً في الحضور الجليل والغنى الأتمّ!

Hhasanhamid55@ yahoo.com