بلفور..
تغريدة الصباح- حسن حميد

هأنذا، أطوي الصفحة الأخيرة من رسالة الأكاديمي المصري مفيد كمال التي تحمل عنوان (خفايا وعد بلفور وأسراره)، وهي رسالة معدّة لنيل شهادة الدكتوراة في علم الاجتماع السياسي، وقد أذهلتني المعلومات والخبريات، والأحداث، والحادثات التي سبقت الإعلان عن وعد بلفور في تشرين الثاني 1917، وما تلاه أيضاً، ولأنّ الرسالة متعددة في فصولها، وغنية في معلوماتها، وتراكمية في تواريخها، فإنّني سأتوقف عند جوانب منها لم تُفرج عنها دائرة الوثائق البريطانية إلا بعد مرور 75 سنة على مجرياتها بسبب خطورتها والشظايا التي ستنثرها هنا وهناك، وكلّها تمسّ بسلوكية السياسة البريطانية، وأخلاقيات القيم التي تبنتها من أجل سلب البلدان سيادتها، وسلب الأفراد كرامتهم وإنسانيتهم، والتعامل مع الآخرين بالفوقية التّامة، والعنصرية.
تقف رسالة الدكتوراة، عند أمور سرانية كثيرة أحاطت بـآرثر بلفور (1848-1930)، منها إنه تعاطف مع اليهود إلى حد جعل من يحيطون به يظنون بأنّه من أصول يهودية، وأنه كان واقعاً تحت تأثير حاييم وايزمن (1874-1952) حين التقاه للمرّة الأولى عام 1906، وأنه كان يستمع إليه طوال ساعات في الجلسة الواحدة ، كي يعرف الرواية الصهيونية، وأنه اقتنع بأن أوغندا ليست الوطن المراد الذي اقترحته الحكومة البريطانية على الصهاينة، وذلك لأنّ وايزمان أقنعه بقوله: لو جاء النبي موسى من موته، ورضي أن تكون أوغندا وطناً لليهود لما تبعه أحد منهم! وقد كان إلحاح وايزمان ضاغطاً عليه، فقد قال له صراحة: اكتب لي عشرة سطور وبخط يدك، تبدي تعاطف بريطانيا مع قضيتنا، وسنكون راضين عنك، وسنقول بأنك أنصفت اليهود، وجمعت شتاتهم، فقال بلفور له: ستكون كتابتي لك، أشبه بالمزحة، فقال له: سنقبل بها حتى لو كانت مزحة! فوعده بلفور بأنه سيسعى إلى كتابة المزحة التاريخية! فيقول وايزمن: لا نريد السعي إليها فقط، بل نريد كتابتها! والحقّ أنّ بلفور ازداد قناعة بخطورة الصهيونية وقدرتها على التأثير، حين عرف بأنّ الصهاينة وعلى رأسهم حاييم وايزمن هم من أقنعوا الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، بأنّ تدخل الولايات المتحدة الأمريكية أتون الحرب العالمية الأولى، وقد كتب بلفور إلى أحد أصدقائه، في إحدى رسائله التي كشفت عنها الوثائق، بأنّه معجب جداً بشخصية حاييم وايزمن، وأنّه يعترف له بمساعدته الكبرى لبريطانيا، في تطوير قدراتها العسكرية لأنه كيميائي مختص بالديناميت، ولأنّه استبدل تفكيره بتفكير هرتزل (1860-1904) الذي اعتمد الحوار والخطابات ولقاء زعماء العالم لشرح ما يريده الصهاينة، في حين ركّز تفكير وايزمن على الجانب العملي، أي إقامة المستوطنات فوق الأراضي الفلسطينية والزحف بها نحو القدس ومكاثرتها في جميع الأنحاء الفلسطينية، وأنه أراد استثمار صحراء النقب لأنها قريبة من البحر الأحمر الذي عدّه أهمية جغرافية قصوى للتواجد اليهودي.
وتقف الرّسالة مطولاً عند زيارة بلفور إلى فلسطين واستقباله الحاشد من قبل اليهود الذين تجمعوا من جميع المستوطنات الإسرائيلية التي تأسست وأقيمت فوق الأراضي الفلسطينية إبان الاحتلالين العثماني والانكليزي، مثلما قوبل بحشود فلسطينية جاءت من جميع أنحاء فلسطين لتعلن كراهيتها له، وشجب إعلانه الذي سيقوّض حياتهم، وسيادة بلدهم، وطيّ تاريخهم، وتشريدهم في الأمكنة، أو جعلهم ضحية للعنصرية الصهيونية!
وصل بلفور إلى القاهرة عن طريق البحر إلى الاسكندرية، وقد قوبل بالشجب واللعنات من قبل المصريين والجاليات العربية في مصر، ومنها الجالية السورية التي قال شكري القوتلي نيابةً عنها: أنت ذاهب إلى البلد الذي دمّر وعدك المستهجن حريته! مثلما قابله اليهود، وطلاب المدارس اليهودية والحاخامات بالترحيب. لقد جاء بلفور إلى فلسطين (1925) من أجل حضور افتتاح الجامعة العبرية، وكانت محطته الأولى فوق الأراضي الفلسطينية في مستوطنة (قارا) قرب مدينة يافا، وقد استقبلته بيوتها بالأعلام البريطانية والرايات الصهيونية. وقد أضربت فلسطين كلّها، وتتالت التظاهرات الوطنية في القرى والمدن، وأغلقت المدارس والجامعات والمعاهد أبوابها، وأضرب التجار الفلسطينيون، وقد أرسل وزير الدفاع البريطاني فوجاً من فرسان المدرعات لحماية بلفور، وبعد ذلك غادر فلسطين إلى سورية التي قابلته بالتظاهرات العارمة، وقد نصحه المندوب الفرنسي بالسفر لأنّ المتظاهرين هاجموا فندق فكتوريا الذي أقام فيه، وحطموا حواجز الشرطة، واقتحموا بوابة الفندق.
وتؤكد رسالة الدكتوراة، أنّ الفلسطينيين ثاروا على المستعمر البريطاني منذ لحظة إعلان وعد بلفور، وأنّ ثورتهم استمرّت إلى عام 1948، رغم كلّ صور الخذلان، وعدم التعاضد، وشدة القمع البريطاني، وازدياد القوة الصهيونية، وكثرة المجازر.
هذه الرسالة، ولكثرة اعتمادها على الوثائق، بدت لي وثيقةً وطنيةً شاهدةً على أصالة الشعب الفلسطيني العاشق للحرية والمؤمن بالسيادة، وأنّه لا بديل لهما، على الرغم من أنّ المزحة السياسية لبلفور غدت غلطةً أخلاقيةً بشعة، وذلك لأنّ السّجون، ومهما عرفت من الأقفال، والهمجية والتوحّش، مآلها أن تصير خرائب للظلمات، وشاهدات لقبور العنصرية والقوة الغاشمة، والزيف التاريخي المشين.