نرجسية المثقف .. هندسة التعالي
شاهد عيان- محمود أبو الهيجاء

أثار امتعاضي أن مثقفا سئل عن رأيه بشأن نقد مواطن (هو في الواقع شخصية عامة) لبعض آرائه، فأجاب أنه غير مكترث لهذا النقد، لأن الناقد هذا مواطن عادي (...!!) ولا أعرف ما معنى عادي هنا، وإذا كنت سأعرف، وأفهم معنى الكلمة، كما هي في معجم اللغة العربية، بأنها الكلمة التي تشير إلى البسيط، المألوف، غير المتجاوز لعامة الناس، فهل هذا يعني أن المواطن البسيط، المألوف، حال لا يستحق الانتباه له، ولا يؤخذ رأيه على محمل الحوار، على أقل تقدير، إن لم أقل الاحترام، والتعاطي الجدي معه..؟؟ والسؤال الأهم كيف يمكن للفرد أن يكون مثقفا إذا ما تعالى على البسيط والمألوف...؟؟ وهل الثقافة تنبع من النص المعرفي أيا كان، أم من الواقع الحافل بالبسيط والمألوف..؟؟
لن أفهم أبدا نرجسية المثقف، حتى مع واقع أنه من المتجاوزين لعامة الناس، وربما لأني أرى أن غاية الثقافة الأساسية، تهذيب النفس وتربيتها على التواضع، لا على التعالي، ولا ثمة إنسان بوسعه أن يقول: أنا الأعلم، ليتعالى على الناس فيزدري البسيط، ليكتفي بذاته حضورا ذا معنى وقيمة في الحياة...!!
المثقف هو كل ما اتسعت رؤياه ضاقت عبارته، وهذا ما قاله المتصوف العربي الشهير "النفري" وقد أدرك قيمة العبارة، حتى لا تستهلك بالهذرمة، وكلما ضاقت تواضعت، لأن في ضيق العبارة، فرجا أخلاقيا يمنع التباهي والغرور، وبتبسيط شديد فإن خير الكلام ما قل ودل.
والمثقف وقد تنوعت تصنيفاته بين مثقف عضوي وآخر نخبوي وثالث أيدلوجي ورابع موسوعي وقائمة التصنيفات قد تطول، سيظل إنسانا عاديا بمكوناته الفسيولوجية وبمعنى لا يمكن اعتبار المثقف إنسانا خارقا، هو أوسع معرفة من غيره ربما، وأقدر على التعبير عن وجهة نظره والدفاع عنها،هذا صحيح في إطار قدرته على ترتيب أفكاره وعرضها ببلاغة حسن الكلام وبلاغة الاحترام للرأي الآخر أيا كان قائله مواطنا عاديا أم مفكرا يشار له بالبنان.
والخلاصة ما من رأي لا يستحق الاحترام كلما كان بسيطا ومتواضعا ومحولا على قيمته الأخلاقية ومن يدرك هذا الأمر هو المثقف الذي لا يزدري أحدا من الناس.