غونتر غراس..قالها ومات!
تغريدة الصباح- حسن حميد

أتحدثُ، هنا، عن الكاتب الألماني المعروف غونتر غراس، الذي تكاد تجربته الأدبية تتلخص بروايته (الطبل الصفيح) ليس بوصفها الرواية الأكثر شهرةً وانتشاراً بين أعماله، وإنما لأنها اشتملت على كل معطيات تجربته من قوة وحضور ورموز ورؤى. وقد مثّلت هذه الرواية مفترق طرق للأدب الألماني في كليته، فبعدما كان الأدب الألماني بعد الحرب العالمية الثانية يدور في فلك الآداب الأوروبية تقليداً وتأثراً، غدا مع هذه الرواية (الطبل الصفيح) أدباً يعود إلى جذوره الألمانية بحثاً عن التواصل، وانقطاعاً عن النسخ والتقليد (في الموضوعات والأساليب والرموز) وتجسيداً للأصالة النابعة من الحياة الألمانية وما عرفته من ويلات ومآس وهزائم ونكوص وتجارب مخفقة!
لقد قالت رواية (الطبل الصفيح) وبوضوح شديد كفى الأدب الألماني دوراناً وتخبطاً ونقلاً وتقليداً لروايات جويس، وهمنغواي، وفوكنر، وكافكا، وغيرهم، وأن على الأدب الألماني أن يوجد صورته، وأن يرى الحياة في مرآة الحرب العالمية الثانية التي دفعت ألمانيا، بسببها، أثماناً باهظة، ولعل من أفدحها اقتسام ألمانيا وتهميشها، والحيرة والأسئلة التي أصابت الذات الألمانية بالأذيات الثقيلة!
عُرف غونتر غراس، بأنه يمثل الصرخة الغاضبة للأدب الألماني الجديد الواقع بين فاصلتين زمنيتين هما زمن الحرب العالمية الثانية، وزمن ما آلت إليه أمور ألمانيا من قسمة، وعصبيات، ومراجعات حادة، وضمور أمام القوة الغربية الجديدة، وما دفعه الألمان من أثمان كبيرة كعقاب على الحرب التي لم يكن لهم من دور فيها سوى دور المرغم عليها! تلك الصرخة الغاضبة للأدب الألماني لم تكن صرخة بسبب الحرب العالمية الثانية ومآلاتها فحسب، وإنما كانت صدى لحركات ثقافية وفلسفية غاضبة هي الأخرى، وكلّها اتصفت بالروح الثورية، والعصف بمصفوفة القيم السائدة، والبحث عن حياة جديدة تروم قيماً جديدة .. ولعل أهم ما بحثت عنه المدونات الإبداعية في تلك الفترة المضطربة، وقد انقسم العالم إلى قسمين: دول منتصرة بقوة السلاح، وأخرى مهزومة بخذلان السلاح، هو إعادة بناء العالم الذي يبديه على حقيقته من جهة ، وما يحلم به من جهة ثانية.
ولد غونتر غراس سنة 1927 في مدينة دانتسيغ، وهي أصلاً مدينة بولونية، لكن الخريطة الجديدة التي أعادت رسم الحدود بين الدول بعد الحرب العالمية الثانية، ضمتها إلى ألمانيا، لكن أسلوب الحياة فيها ظلَّ كما كان معروفاً حين كانت البلدة تابعة لبولونيا.
هنا، وبعد أن رحل غونتر غراس ( 2015)، أودُّ مواقفة أمرين اثنين، أولهما: روايته (الطبل الصفيح) لأقول إنها درة أعماله كلّها، وهي مكتوبة سنة 1959، وهي تجهر بقولة فلسفية فحواها أن الحرب العالمية الثانية أطفأت جذوة النمو للحياة الألمانية، لكن ذلك التوقف ليس أبدياً، وإن كان كارثياً، و السبب كامن في الأبوة الغربية الظالمة، والنظرة الغربية المحتشدة بالريبة والشك الموجهة لكلّ فعل ألماني.
وثاني الأمرين هو المتمثل بالقصيدة الصرخة التي أطلقها غراس عام 2012، والتي جاءت تحت عنوان (ما ينبغي أن يقال!) والتي أشار فيها صراحة، وبكل الجرأة إلى أن تهديد (إسرائيل) لكلّ من لا يتوافق مع سياساتها يشكل تهديداً للسلم العالمي، وأنه سئم من نفاق الغرب لـ (إسرائيل)! وأنه لا يخشى، ولن يخشى الاتهامات التي ستطاله بأنه معاد للسّامية، وأن بلاده مسلوبة الإرادة حين تزوّد (إسرائيل) بالغواصات النووية، وبهذا الصنيع الحر، ومن خلال قصيدته، شقّ غراس طريقاً أمام الكتلة الغربية الصامتة التي تتحاشى الحديث عن الابتزاز الإسرائيلي لألمانيا وأوروبا وأميركا وتغطّيه، لكي تقول، هذه الكتلة الصامتة، ما ينبغي أن يقال، كما شقّ طريقاً للخلود حين ناصر القيم النبيلة، وحين نطق بالحقّ ..ومات!