سر دوام القضية
هادي جلو مرعي

مضى على النكبة سبعة عقود من الزمن، وبضع سنين، حين بدأت ملحمة سلب الحقوق، لتواجهها ملاحم الصبر والتضحية والمقاومة في مواجهة سياسة الاحتلال المدعومة من عالم منحاز للمصالح والمخاوف والولاءات والأطماع واللامبالاة حيث القرارات السريعة التي جاءت جميعها تقريبا لدعم الاحتلال، قابلتها قرارات لتمييع القضية، وإسكات الأصوات المطالبة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني إلى أن وصلنا اليوم إلى مرحلة تمييع اتفاق حل الدولتين من قبل كيان الاحتلال بوقاحة لم تكن مفاجئة لأحد وبالذات من خبر سلوك ونهج الاحتلال منذ عام 1948 وحتى وقتنا الراهن، حيث ينشغل العالم بظروف ومعاناة ومشاكل مشابهة لظروف سبقت الحرب العالمية الثانية مع ملاحظة أن الظروف الدولية الحالية أعقد بكثير، وأشد وطأة على العالم، وبالذات على الشعوب الفقيرة، وتلك التي تناضل لتأكيد حقها في الحياة، ورفض الهيمنة وسياسة الأمر الواقع والتمدد والتوسع على حساب الآخر الذي تحاصره السياسة والاقتصاد والمعادلات الدولية وقوة السلاح والتكنولوجيا الشريرة التي يتفاخر بها من يستقوي بها على من لا يملك سوى إرادة الصمود والصبر والعمل الجاد على ترسيخ مبدأ المواجهة الفاعلة على صعيد السياسة، وتأكيد المواقف الوطنية الرافضة لسلوك وعدوانية الاحتلال، وعدم اعترافه بحقوق الشعب الفلسطيني.
السر في دوام القضية هو الشعب الفلسطيني، وليس سواه، ويمكن لمن أراد أن يعبر عن التضامن أن يفعل ذلك بالطريقة التي يريد، وقد قدم العرب وأمم أخرى بعض الدعم المعنوي والمادي، ودخلت جيوش عربية الحرب في 1948 وفي 1967 وفي 1973 وكانت منظمات دولية عقدت مؤتمرات، وصدرت عنها بيانات إدانة لممارسات الاحتلال، وبيانات تضامن مع الشعب الفلسطيني، وفي النهاية لم تكن هي السر في ذلك الدوام والصمود والبقاء كل هذا الزمن، بل هي التضحيات والدماء والغربة والتهجير وصنوف العذابات والصبر على كل تلك الممارسات العنصرية والتمييزية التي مورست طوال تلك العقود من الزمن، وأغلبها لم تجد ردود فعل قوية لردعها من المجتمع الدولي، خاصة القوى الفاعلة التي جعلت من الأمم المتحدة ومجلس الأمن لوبي ضغط على الفلسطينيين لكي يتنازلوا عن أبسط الحقوق، بينما الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تكرس سياسة الاستيطان والتمدد وتجريف البيوت والتحكم بالمعابر والأموال والتضييق على المؤسسات الفلسطينية ومحاصرتها محليا ودوليا، ولذلك فلم يعد سوى الشعب الفلسطيني وقادته الأصلاء في المواجهة المستمرة، والتي لا بد أن تنتهي باستعادة الحق كاملا غير منقوص لأنه حق أصيل.