عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 04 أيلول 2022

إكليل غار..!

تغريدة الصباح- حسن حميد

بلى، لا تزال صرخة غوستاف فلوبير (١٨٢١-١٨٨٠) الروائي الفرنسي، تجول في سمعي، حين  قال، وبعد محاكمة روايته (مدام بوفاري)، والظفر ببراءتها من كلّ خدش أو عيب أو ثلم: أنا مدام بوفاري! أيّ أن السلوكيات الهشة والمعطوبة التي كشفت عنها (مدام بوفاري)، ولا سيما ما قرّ بين تضاعف ثنائية: المدينة والريف، وثنائية: النبل والوغدنة من جهة، وما بين ثنائية  المال الزائف والحرية الزائفة من جهة أخرى، كانت، في اجتماعها،هي رؤيا فلوبير التي آمن بها، لذلك، صرخ: أنا مدام بوفاري، هذه الرواية التي نقلت الحياة الفرنسية نحو الحرية الحقّة المعافاة من زيف النقيض، وزيف القوة، وزيف المُكنة المالية، وزيف الجاه الاجتماعي، هذه الصرخة هي التي دوّت في رأسي، وأنا أتتبع سيرة خليل العواودة، الأسير الفلسطيني الذي اقتيد مرغماً إلى المعتقلات الإسرائيلية، وهو في تمام صحته، وعافيته الوطنية، وحضوره الاجتماعي، تحت مسمى (الاعتقال الإداري) الذي يعني بأن لا تهمة محددة موجهة إليه ، فالقرارات الإسرائيلية، وتحت مسمى الاعتقال الإداري، بمكنتها أن تعتقل أيّ فلسطيني وبلا أسباب؛ بل بمكنتها أن تغلق مشفى أو مدرسة، أو مؤسسة حقوقية، أو مركزاً ثقافياً يعلّم الموسيقى أو الرسم، أو تقطع أشجار الزيتون المعمّرة، أو تدحم حقل عباد شمس، تحت هذا المسمى، ولأن هذا ظلم، فإن الصلابة الفلسطينية كلّها تتجلى في مواجهته  بوسائل لم يتفطن الاسرائيلي / النقيض إلى أن أبناء الشعب الفلسطيني سيجدونها لتكون معبرهم إلى الحياة، لأننا شعب يقدّس الحياة، وسيرة خليل العواودة، داخل المعتقل الإسرائيلي، مثال جلي واضح لقدرة الفلسطيني على استنبات القوة اليومية كيما يصير الفلسطيني أكثر قدرة على مواجهة هذا المحتل الذي يبرع يومياً في استنبات الظلم الذي يطال الصغير والكبير، والشجر والحجر، إنه المحتل (السيكلوب/ المسخ) الذي لا يمتلك سوى عين واحدة لا ترى إلا التوحش والعنصرية وتدمير الآخر وإخافته سبيلاً لحياته وبقائه حتى لو كانت هذه الحياة مخزية!

 صرخة فلوبير: أنا مدام بوفاري، جعلتني أصرخ: كلنا خليل العواودة الذي دخل السجن بكامل عافيته الجسدية، ولديه أسئلة كثيرة لا تدور حول: لماذا اعتقل، وكيف، وماهي الأسباب؟ أبداً، لأنه على قناعة بأن كلّ شيء فلسطيني معرض إلى الاعتقال والاختفاء والمحو.. من المدرسة إلى البيت، ومن حقل السمسم إلى أشجار الخروب، ومن الفخاريات إلى الأثواب الفلسطينية المطرّزة؛ لأنها هي ما يغيظ الإسرائيلي، وما يجعله يتأكد يومياً بأنه سارق وغاصب وظالم ودموي، بل هي التي تجعله يعيش مع الغربان التي تصوّت حوله، ليل نهار، وجهراً : أنه محتلٌ وقاتلٌ وأعمى!

نعم، سلب المحتل عافية جسد خليل العواودة كلّها، فقد كان وزنه قرابة مئة كيلو غرام، فصار، بعد الاعتقال، أقل من خمسة وثلاثين كيلو غراما، وسلب المحتل حريته طوال أيام اعتقاله الظالم (حوالي ثلاثمئة يوم)، وسلب حقّه في أن يزوره أهله، وسلب حقّه في أن يعرف تهمته، وسلب حقّه بأن يدافع عن نفسه أمام المحاكمات الزائفة التي عرفها، لهذا أضرب عن تناول الطعام كي يلقن عدوه المتغطرس درساً عريضاً في البطولة والشجاعة وامتلاك الإرادة ، هذا الدرس الذي سيظلّ تاريخاً مضيئاً للفلسطينيين من جهة، ومرآةً وسيعةً للقباحات الإسرائيلية اليومية من جهة ثانية؛ درس خليل العواودة تمثّل في تفضيل إماتة الجسد اختياراً على العيش مكرهاً في زنازين العدو الإسرائيلي من دون تهمة أو سبب، لذلك أضرب عن تناول الطعام مدة لم تعرفها كلّ معتقلات العالم، إلى حدّ أنه جعل جسده نبتةً تكتفي بالنّدى شراباً، وبالهواء طعاماً.

 صحيح أن المحتل سلب عافية جسده، ونضارة وجهه، وسيولة كلامه، وطراوة شفتيه، وقامته المنتصبة، لكنه لم يستطع سلب انتمائه، ووعيه، وروحه الوطنية، وصبره الجبلي، وبهذا انتصر العواودة حين رضخ المحتل لمطلبه الوحيد: الحرية التّامة.

وصحيح أيضاً، أن خليل العواودة سيخرج معلولاً بعلل المعتقل الإسرائيلي، وما أكثرها، لكن الإرادة هي الدواء، والبيت الفلسطيني، وبما عرفه من ثقافة حضارة السلوك، وعشق الحياة، سيعيدان العافية للجسد الفتي مرّة أخرى، كيما يقف العواودة وقفة النسور المهيبة.

أجل، هذه الروح البطلة هي روح شعبنا، يا خليل العواودة، هي تربيتنا الوطنية، وما فعلته هو اللغة الوحيدة التي يفهمها سجّانك (السيكلوب)،  أما انتصارك النوراني، فهو إكليل غار نباهي به.. ونفتخر.

[email protected]