رسالة إلى كاتب ألماني!
تغريدة الصباح- حسن حميد

وصلت إليّ رسالة مكتوبة باللغة الألمانية، كابدتُ شقّة التعب في ترجمتها بنفسي، بعدما تعلّمت الألمانية قبل نحو ثلاثين عاماً كرمى للتواصل الثقافي مع أهل الثقافة والفنون والرأي في ألمانيا حين زرتها بمناسبة أدبية (كانت ولا تزال عزيزة تجول في نفسي مثل فرس طرود)، الرسالة كتبها أديب ألماني، له أشواق طويلة مع الفن التشكيلي والموسيقى، وقد أخبرني من خلال سطورها أنّه مازال يكتب السرد (قصّة ورواية) بالمحبة التي عهدته عليها للرسم والموسيقى. ويسألني أسئلة كثيرة فحواها الجوهرية معرفة الحال الفلسطينية الرّاهنة، وهل مازالت آرائي التي عرفها قبل ثلاثين سنة وأزيد، هي هي؟ فكتبت إليه.
صديقي العزيز توماس، فرحت برسالتك التي جاءتني بعد انقطاع طال أكثر من اثنتي عشرة سنة، لأنها أخبرتني بأنّك بخير. وأنا بخير، يا صديقي، الحرب لم تقتلني مرّة واحدة، بل مرّات، هُجِّرتُ من مخيّمي، مخيم سبينة، عشر سنوات وأزيد، تركتُ كلّ شيء، وهربت بأولادي وزوجتي، طلباً للنجاة من خلق يحملون البنادق والخناجر والسيوف، ولا يعرفون الحوار، يريدون للحياة أن تصير عالماً سفلياً (هاديس) توماس، أما زلت تحنّ للأساطير التي حبّرها الإغريق، أما زلت تذكر قولتي لك: إنّنا كشعب فلسطيني، دربنا هو درب يوليسيس، وذاكرتنا ذاكرته، وحنينه حنيننا، وصلادته صلادتنا، وغايته غايتنا، هو أراد العودة إلى بيته، ونحن نريد العودة إلى بيتنا، هو طال عليه الطريق حين ترصّدته الأفخاخ والكواره، ونحن كذلك، هو قال: لا بدّ من إيثاكا؛ ونحن قلنا منذ قرن وأزيد: لابدّ من فلسطين؟
توماس العزيز،
نحن مازلنا على الثنائيات التي حدّثتك عنها، نحن شعب عددنا في الوطن (حوالي سبعة ملايين)، وعددنا في المنفى (حوالي سبعة ملايين)، قسم منا في المعتقلات والسجون الإسرائيلية، وقسم في الجامعات والحقول، نحن في حراك دؤوب مدهش حين نشيّع أبناءنا الشهداء، ونحن كذلك في طقوس الحنّاء، نحن طيورٌ حياتها في الرفرفة، ولنا ثنائية، تحدّثنا حولها كثيراً، نحن نعمل وننادي الحياة ونمدّ الدروب، ونبني ما هدمته جرّافات الإسرائيلي وما دمّرته، من البيوت والطرق والمقابر، كي تغيّر هوية المكان وطبيعته، من أجل مواراة تاريخه وطمسه. تسألني، توماس العزيز، إن تغيّرت أساليب المحتل؟ فأقول لا، لم تتغيّر، فالذهنية هي الذهنية، لكنّها تطوّرت نحو التغوّل في العنصرية والدموية، إنّهم يصنعون من مأساتنا، ملهاةً لهم، من أجل أن يسخروا، ويضحكوا، هم يسلّموننا جثث شهدائنا الذين أوقفوا حياتهم بالرّصاص، وهم يتبادلون (النكات) وهم يضحكون، وهم يتعانقون (الجندي يعانق الجندية) أمام الكاميرات! يا للكاميرات، يا توماس، إنّهم يعربدون ببطشهم، ويتمنطقون بقوّتهم أمام الكاميرات. يدخلون إلى المعتقلات والسجون وأمكنة التوقيف مثل الوحوش. يحيلون الأمكنة إلى بحيرات دم وآهات وكسور وجروح نازفة! والكاميرات تصورهم وهم يقتلون بدم بارد! إنهم يتصيّدون الفلسطينيين، في الطرق، والحقول، وأمام الكاميرات، تماماً مثلما يفعل الصيّادون في الغابات! بلى، يا توماس، لقد أحالوا كلّ شيء إلى غابة تحكمها القوّة، وللغابة ملك، اسمه الرّصاص، فرحه يتجلّى بمزيد من إراقة الدماء، والقتل، والخراب!
توماس العزيز، تقول لي: أنتم وحيدون! نعم، جلجامش كان وحيداً، ويوليسيس، وبروميثيوس كانا وحيدين، والأنبياء والرسل كانوا وحيدين!
بلى، يا توماس، لك أن تخاف عليّ، سأموت، سأصير فقيداً، وبرصاص الإسرائيلي أيضاً، حتى لو كنت في المنفى، غُصّات المنفى أكثر لعنة وظلامية وقهراً، وهي قادرة على القتل أكثر من الرّصاص. إذ ماذا يعني أن تتذكّر سيرة جدّك، وجدّه، وأبيك، وقريتك، ودار عبادتك، وحقلك، ونبعة القرية، وحاكورتك (كنت قد شرحت لك ماذا نعني بالحاكورة، حديقة صغيرة تماماً، فيها الخضار والورود، ولها سياج توتي جاذب لعصافير الشوك)، وأن ترى قبورهم مقسومة أيضاً ما بين الوطن والمنفى، وأن تحبّ القراءة والكتابة والرسم والسينما والموسيقى والرقص والشواطئ والبراري، ولكنّك في قفص من هواء، اسمه المخيّم؟ كلّ ما نبدعه لا يصل إليكم، يا توماس، أصوات بكائنا، ووقع خطانا ونهنهاتنا، ونحن نودع الرّاحلين يومياً لا تصل أيضاً، ما نعانيه من ظلمِ آخرِ احتلال في الدنيا، لا تعرفون فداحته، وإن عرفتموه، لا تحرّكون ساكناً لأنّ القوانين التي سننتموها تقيّدكم. نحن، ومنذ 74 سنة، يا توماس، نُقتَل يومياً، وبصيغة جيلية منتظمة (جد، أب، ابن، حفيد)، وعلى مرأى من العالم.
صديقي العزيز توماس، أما زلت تؤمن أنّ العالم أبكم أصم أعمى؟ لا أريد إجابة، أريد أن أقول: نحن، كشعب صغير، سنجعل هذا العالم يستعيد حواسه، لا نريد له أن يندم الآن، نريده أن يخجل من نسائنا اللواتي يلدن على الحواجز، ومن شهدائنا الذين امّحت أسماؤهم، فأعطوا أرقاماً، ومن مرايا بيوتنا التي يجبروننا على هدمها بأيدينا، ومن أجساد أسرانا الذين صارت سوق أرجلهم بادية العظام، إنّها نايات؛ نايات الوجع والألم، يا توماس، التي تعزف للكبرياء الفلسطينية.
توماس العزيز، سررتُ برسالتك التي تشاطرني فيها الأخبار والآلام والأسئلة.
Hasanhamid55@ yahoo.com