لا.. لنباتات اللوتس!
تغريدة الصباح- حسن حميد

كلما اشتقتُ إلى القراءة النافعة حننتُ إلى الأوذيسة لأعيد قراءتها، ولأقف الوقفات التي سمّرتني الأحداثُ والخبرياتُ أمامها، وكلّما ضاقت بي الظروفُ، وشعرتُ بالظلم الواخز مرّة، والحارق مرّة أخرى، مضيتُ مثل ملسوعٍ إلى الأوذيسة لأقرأ فيها كيما أعيد لروحي الطمأنينة، وكيما أومن أنّ الزمن ديمقراطي سيعيدُ الحقوق إلى أصحابها، وسينصفُ المظلومين، وقد صبروا كثيراً، ويصل بالمنتظرين إلى أحلامهم، وأنّ جائزة أهل الثبات كبيرة، وطيّها الفرح العظيم!
بلى، كلّما قرأتُ الأوذيسة أشعرُ أنّها تتحدّثُ عنا نحن كشعب مظلوم، شعب حُيِّد، وأُقصي، ثمّ ازورّت عنه الرؤى، وتجاهلته الدروب، وتباطأت عنه الغايات، فلم يعرف من طعوم الحياة سوى الحَزَنِ، حتّى صارت حياته دروباً ما بين الحياة واللاحياة، كدت أقول: الموت أو ما يشبهه: المقابر!
صرختُنا، ومنذ قرن، مدوّيةٌ في القرى، والمدن، والكتب، والنهار والليل، والموسيقى، والسرد، والأخبار، والرواية، تقول: لا بدّ من البلاد، وإن صارت الدنيا ليلاً!هي الصرخة التي تشبه صرخة يوليسيس: لا بدّ من إيثاكا، وإن صار البحر ظلمات!
أقول هذا، وأنا أمرُّ بالعقبات والمكائد والأفخاخ والأشراك التي حاوطت يوليسيس ولفّته، وتلك التي تعقّبته وتقدّمته، وهو في طريق عودته إلى إيثاكا، ومنها عقبة رهيبة، وفخ مخيف، وشرك قاتل، وجميعها تتمثّل في محو الذاكرة! أيّ أن ينسى يوليسيس طريق العودة؛ أن ينسى بلاده (إيثاكا) وزوجته (بينيلوب) وابنه (تليماخوس)، أي أن ينسى الأرض، والناس، والتاريخ، والعادات، والتقاليد، والهوية، والحضارة، ولهذا قدّمت إليه نباتات اللوتس مرّات ومرّات كطعام ليأكل منه، وهو يعرف أنّ من يأكل من نبات اللوتس تُدَمّر ذاكرته، فينسى، ويصير كائناً لا يعرف المكان من الزمان، ولا الغريب من القريب، ولا النافع من الضار! يوليسيس، لم يأكل من نبات اللوتس، ولم تجذبه الموسيقى لكي يصير فريسة لـ (السير ينيات)، ولم تشدّه الأجساد الأنثوية التي صارت مرايا قرب الشواطئ التي مرّ بها، جاع، وتأوّه، وتألّم.. ولم يأكل نبات اللوتس! ونحن، كشعب، لن نأكل من نبات اللوتس الذي يبدو طيوفاً وصوراً ومغريات وجواذب لأننا نعرف أنّ من يأكل نبات اللوتس يفقد ذاكرته! عشر سنوات أمضاها يوليسيس في طريق عودته إلى إيثاكا، وبيته، وزوجته وابنه، وهي طريق يحتاج قطعها إلى ليلة بحرية واحدة فقط، لقد سُجن، واعتُقل، وأوذي، وجاع، وغُرر به، ومالت به الدروب، وضاعت العلامات الرّاشدة داخل بحر صار في نظره ظلمات وعواصف ومجاهيل ومتاعب وضباباً وغبشاً لا يتبدّى من خلالها ضوء أو نور، أليست هذه الحال هي حالنا! بلى هي كذلك وأزيد بعدما تضاعفت شرورها، وعتماتها، وتعدّدت أسوارها العاليات، وأبوابها المغلقات، وسواقيها الجاريات بالدم الذكي!
ومع ذلك، لم نقرّب بيادر نباتات اللوتس التي رُميت بين أيدينا، ترش بالماء يومياً (حفاظاً على طزاجتها)، ورُشت بالبوارق لتضيء، وحلّيت بالطعوم (كي نسأل عن لذاذتها)، لأنّ ذواكرنا هي منارة طريق عودتنا، وهي العصية على الاحتلال، والاخترام، والفلق، والتجزئة، والتفتيت، بل .. والمساس!
كلّ هذا قلته، من أجل التوكيد أنّه منذ عام 1948، فاصلة الجرح الدامي، وحتى عام 1956، دمر عدوّنا النقيض حوالي 1500 قرية فلسطينية، وهجّر أهلها، وأباد كلّ شكل من أشكال الحياة فيها، وبنى قربها مستوطناته القشّية الآيلة إلى الجرف حين تبدأ أوان الطوفان الوطني، واقترف في كلّ منها مجزرة، أي هولوكوست، أي مذبحة، ولهذا نرى رأي العين، وكلما توجهنا إلى تلك القرى المدمّرة، نرى الغيوم معلّقات فوقها؛ وهي ليست سوى صراخ الصبايا اللواتي اغتصبن، والأمّهات اللواتي بُقرت بطونهن، وأصوات الشيوخ والعجائز الذين انهارت فوقهم السقوف والجدران. ولأنّنا أهل ذواكر نعرف مظلومية الآخرين، والمذابح التي تعرّضوا لها، أي تعدّدية (الهولوكوست) التي تعرّضوا لها، فنحن لا ننفيها، ولا نشكّك في أرقامها، وتواريخها، ومظلوميتها، لأنّنا كنّا وفي وقت حدوثها نُذبح أيضاً، وبيوتنا تُنسف وتُدمّر، لهذا فإنّ ذواكرنا.. هي كتابنا الحافظ لنا!