فلسطين الحاضر الأكبر في زيارة بايدن للمنطقة
محمد حسن العرادي - البحرين

في زيارته إلى مدينة بيت لحم الفلسطينية، حاول الرئيس الاميركي جو بايدن دغدغة العواطف واللعب بالكلمات فأقر التزام أميركا بحل الدولتين، وقدم مساعدات مالية بقيمة 100 مليون دولار للمستشفيات و201 مليون دولار لصالح منظمة الأونروا، وأعتقد بأن ذلك سيكون ثمناً كافيا لدعوة الفلسطينيين للعودة إلى طاولة المفاوضات والتنسيق الأمني مع دولة الابارتهايد المحتلة.
لكنه تفاجأ بخطاب مختلف من الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي هب للتأكيد على حق الفلسطينيين في الاستقلال والحرية بعد 74 عاماً من النكبة مطالباً بإنهاء هذا الاحتلال البغيض الجاثم فوق صدور الفلسطينيين، ومجدداً الحديث عن حل الدولتين كشرطٍ أساس على أن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين، ورداً على دعوات التطبيع قال عباس إن (إسرائيل) لا يمكنها الاستمرار في التصرف كدولة فوق القانون، خاصة وهي تمارس القمع والقتل والاعتقال والمداهمات وهدم البيوت خارج القانون والأعراف الإنسانية، ومخالفة بذلك كافة المواثيق والقرارات والاتفاقات الدولية، بما في ذلك اتفاق أوسلو 1993 الذي التزمت به السلطة الفلسطينية.
كما أكد على ضرورة محاسبة قتلة الشهيدة شيرين أبو عاقلة مؤكداً أن السلام يبدأ من فلسطين والقدس وينتهي في فلسطين، غير عابئ بكل ما يردده الإعلام الصهيوني من دعايات وادعاءات الانتصار والاختراقات بإقامة علاقات مع بعض الدول العربية، في موقف يثبت صمود الشعب الفلسطيني باعتباره صاحب الحق والأرض، وإن أي سلام وأي حل أو تسوية لا بد وأن يوافق عليها هذا الشعب صاحب القضية.
ويبدو أننا أمام خطاب فلسطيني جديد لم يكن الرئيس الاميركي يتوقع سماعه، خطاب أكثر صرامة وتمسكاً بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وخاصة حق العودة للاجئين الذي لا يسقط بالتقادم، وكان لافتاً أن هذا الخطاب جاء متناغماً مع الموقف العربي المتجذر الذي عبرت عنه نتائج قمة جدة للأمن والتنمية التي عقدت في جدة يوم السبت 16 يوليو 2022 من خلال الكلمات التي ألقاها القادة العرب وتمسكوا فيها بحل الدولتين، وبضرورة كف يد (إسرائيل) عن البطش والقتل والاعتقالات التعسفية ومصادرة أراضي وحقوق الفلسطينيين ، مع إشاراته الواضحة لحق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم وقيام دولتهم المستقلة.
وفي السياق ذاته جاءت كلمة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين الذي أكد على موقف البحرين الثابت من الحق الفلسطيني، مع المطالبة بالرجوع إلى حل الدولتين على أساس مبادئ المبادرة العربية التي تبنتها قمة بيروت 2002 والتمسك التام بكافة حقوق الشعب الفلسطيني، وعلى رأسه حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وربط السلام بعودة الأرض الفلسطينية المحتلة.
إننا أمام إعادة تموضع ومعايير جديدة ثبتتها وأكدتها قمة جدة للأمن والتنمية والتي جاءت نتائجها لصالح تثبيت الحق الفلسطيني التاريخي، رافضة لكل المشاريع الصهيونية في إنشاء تحالفات عسكرية تحت مسمى الناتو العربي أو غيره كما أكدت على استمرار الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية تحت الاحتلال في فلسطين وضرورة احترام إرادة الشعب العربي الفلسطيني وحقه في قيام دولته الحرة ذات السيادة.
وأخيرا فإن فلسطين كانت ولا تزال وستبقى القضية المركزية للأمة العربية وسوف ينخرط المزيد من الشباب العربي في الدفاع عنها والإيمان بها كقضية حق غير قابلة للتصرف والمساومة، خاصة ونحن نشاهد ونراقب ونرصد هذا العنفوان المتجدد لدى الشباب الفلسطيني الثائر والمثابر القادر على فرض معادلات جديدة، تضع فلسطين على رأس سلم الأولويات.
وها هي أميركا تعيد التفكير في فتح قنصليتها في القدس الشرقية لاستئناف وتعزيز التعامل مع الفلسطينيين، وتجديد فتح مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وها هو الرئيس الفلسطيني والقيادة الفلسطينية تعيد التأكيد على الحق الفلسطيني المشروع في دولة فلسطينية كاملة السيادة.
فلسطين لم ولن تغيب عن الذاكرة والوجدان حتى يدان الاحتلال الصهيوني العنصري وتتكشف عنصريته أمام العالم، وها نحن اليوم نشاهد برلمان أكبر دولة في أميريكا اللاتينية البرازيل يقر بعنصرية (إسرائيل) ويعتبرها دولة أبارتهايد، كما نشهد تنامي التضامن مع قضية فلسطين في معظم العواصم الاوروبية والعالمية، بل نشاهد التقارير التي ترصدها وتصدرها بعض المنظمات الحقوقية العالمية بما فيها الصهيونية التي تدين نظام الفصل العنصري الصهيوني وتنتصر للحق الفلسطيني، ومهما طال الزمن أو قصر فإننا سنشهد هذا الاحتلال يرحل مهزوماً عن أرضنا العربية والقدس الموحدة المحررة.
وحتما فإن فلسطين كانت هي الحاضر الأكبر في زيارة بايدن للمنطقة باعتراف الصهاينة أنفسهم الذين فرحوا كثيرا طوال الأيام التي قضاها بايدن بينهم ممازحاً وضاحكاً، لكنهم شاهدوا خيبته الكبرى وهو يغادر أرض الحرمين خالي الوفاض.