يا إلهي، كم هي جارحة هذه البساطة المكتوبة بالأنين والوجع، وذوب الروح، ووجيب القلب، وذبالة الأحلام!
وكم هي صادقة هذه الأسطر المحنّاة بالدمع والأسى، والضوء، وشهقة المعنى أيها الابن الحبيب غيث يامين!
يا إلهي، كيف لك، ومن أين جئت بهذه التعابير التي تدمي، كيف خمّرتها، وماشيتها، وعشتها، وذقت طعومها المرّة وأنت ابن (16) سنة لا غير، طالب في الصف العاشر! كيف اختزلت التاريخ والجغرافيا، وأنت لم تمض بعد إلى الجامعة!
بلى، لولا هذا الاحتلال الأسود الذي احترف قتلنا، لكنتَ من الذاهبين إلى الجامعة، لا ريب ولا شك في هذا، كنت ستصير طبيباً يعالج الجلطات والنزوف والعلل التي تقصّر الأعمار، أو مهندساً للكهرباء والطاقة، أو مؤرخاً يكتب أفاعيلهم البغيضة، أو موسيقياً يحاكي بألحانه ما يقوله القصب قرب طبريا، أو جغرافياً يقول لنا كيف أنسن أجدادنا نهر الأردن حين تذوب ثلوج جبل الشيخ، وكيف بنوا الأدراج الحجرية داخل سرير النهر لتصير مخاضات، أو عالم نبات تستقطر من الدحنون عطوراً لم يعرفها البشر بعد، ومن قرون الخرّوب طعوماً لم يذقها البشر بعد، أو تصير أنثربولوجياً تقول لنا كيف صنع أهلنا منذ 10.000 آلاف سنة قدور الفخار في أريحا، وكيف نحتوا من الكتل الحجرية الضخمة أجران الاستحمام في الحمة، وكيف كتبوا سيرهم فوق أوراق شجر الموز، وكيف جففوها بأحماض الكيمياء لتصير لفائف ورق، أو تصير رسّاماً ليرصد بألوانه طيوف اللون في الجليل الحبيب، وطيوف اللون في حقول عباد الشمس، أو تصير خبيراً في علم المساحة لتقول للعالم كيف افتككنا أنفسنا من الزنازين الرّهيبة الرّاعبة، ليست الحديدية أو الحجرية فحسب، بل من الزنازين الهوائية!
ما كان لك أيها الابن الحبيب غيث يامين أن تصير طبيباً أو مهندساً أو مؤرخاً أو موسيقياً أو جغرافياً أو عالم نبات أو أنثروبولوجياً أو رساماً أو خبير مساحة لأنك في مرمى رصاصهم، لأنك فلسطيني! وما كانوا، بسبب حقدهم، لينتظروك كي تصير جامعياً، لتقف منشداً للشعر وتغني: موطني موطني! أو لينتظروك حتى تصير سارداً فتتحدث عن الحيوات والرجولة والعقول الفلسطينية التي احتبسوها في سجونهم ومعتقلاتهم، وزنازينهم الجهنمية، أو لتروي، لخلق الله، ما حدث في دير ياسين، والطنطورة، والدوايمة، وكفر قاسم، وغزة، ومخيم جنين، والشيخ جراح!
أجل، أي كتابة آسرة هذه، وأنت ابن 16 سنة، وأي رؤى وتجليات حبّرتها فخنقنا الدمع، وكيف لك أن تقول هذا الذي قلت! أكنت تعرف الخواتيم؟!أيّ كتابة هذه، أي وصيّة:
إذا متت لا تحطوني بثلاجة لأنو ما بحبّ البرد!
بس بدكم تدفنوني، اختاروا لي
المكان اللي فيه أطفال، عشان ما أظل لحالي!
تعالوا وزوروني كل يوم، واحكوا معي، رح أسمعكم!
ما تبكوا عليّ، لأنو ما بحب أزعل حدا مني، أو حدا يبكي بسببي!
أجل، أيها الابن الحبيب
هذه هي الكتابة التي ترسم صورة الإسرائيلي الذي يطاردنا منذ (74 ) سنة، حتى ننسى، حتى يموت، الكبار (الرواة) الذين صرّوا كلّ عزيز في أحداقهم مرّة، وفي قلوبهم مرّة، وكي ينسى الصغار! ولكن، وهنا إرادتنا، ما مات كبارنا، ولا نسي صغارنا؛ لأن بيننا وبين هذا العدو الأسود بلادا عزيزة اسمها فلسطين!
بكتابتك هذه يا ابننا العزيز، دموع عمرها (74) سنة، حزن شفيف، لا تعرفه سوى أشجار الزيتون التي يدمرونها بالقسوة البّاطشة، وفيها روح سامية لا يعرفها سوى من شواهم ظلموت الاحتلال الفاحم، وفيها بوابة وسيعة ممتدة من الدردارة في شمال الجليل إلى أمّ الرشراش جنوباً، بوابة مكتوب على قنطرتها العالية /بهذه المعاني تستعيدون فلسطين / البلاد العزيزة، وعبرها تعودون إليها أجمعين!