عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 18 نيسان 2022

مشروع غانتس.. المراوغة الصهيونية ذاتها

باسم برهوم

 

تواصل دولة الاحتلال اسرائيل التهرب من لحظة الحقيقة التي تفرض عليها الاعتراف  بدولة فلسطينية مستقلة  ذات سيادة حتى  على جزء من الجغرافيا ما بين النهر والبحر، إنها تلف وتدور، وتعمل بكل الطرق على الارض لمنع الوصول الى هكذا لحظة. وخلال كل مفاوضاتها واتفاقياتها مع الدول العربية ومع الفلسطينيين، عملت إسرائيل كل ما في وسعها لعدم ذكر دولة فلسطينية ...!!

اقتراح وزير الجيش الاسرائيلي بيني غانتس، والذي يقول بوجود كيانين سياسيين  منفصلين في جغرافيا تسيطر عليها إسرائيل أمنيا، أو لها اليد الطولى أمنيا على امتداد جغرافيا فلسطين التاريخية، هو هروب، او التفاف جديد على  حل الدولتين، وعن وجود دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة في الضفة وقطاع غزة إلى جانب إسرائيل. الحل الذي يقترحه غانتس، والذي يحتاج إلى توضيح، هو اقرب الى دولة لشعبين، ولكن يعيشان بشكل منفصل تماما  من الناحية السياسية.

اقتراح وزير الجيش غانتس ليس جديدا، فقد رعت السويد قبل عقد من الزمان نقاش فلسطيني إسرائيلي غير رسمي، هدفه إبداع حلول للقضايا المعقدة  بين الطرفين مثل القدس والاستيطان واللاجئين. ولكن الاهم بالنسبة لإسرائيل هي ان تحل مشكلة الديموغرافيا دون أن يكون للفلسطينيين دولة مستقلة ذات سيادة على أرضها ومواردها وحدودها. وفي حينها خرج المتفاوضون بمشروع يوجد فيه على امتداد الجغرافيا بين النهر والبحر كيانان سياسيان يعيشان بشكل متداخل، ولكن الواحد منها منفصل عن الآخر سياسيا.

وفي توضيح أكثر، فإن اي فلسطيني، بغض النظر اين يقيم في القدس او حيفا او الخليل هم يتبعون الكيان السياسي الفلسطيني، ( برلمان وحكومة وجهاز قضائي ). بالمقابل اي يهودي، بغض النظر اين يقيم في تل أبيب او مستوطنة كريات اربع  قرب الخليل، هو يتبع الكيان السياسي اليهودي، ( برلمان حكومة وجهاز قضائي )،  بمعنى انه وبغض النظر اين يقيم الفلسطيني او اليهودي،  فإن كل منهما يتبع الكيان السياسي الخاص به، اي انه بالرغم من التعايش المتداخل، فإن كل طرف منفصل عن الاخر سياسيا.

وفي حلقة السويد، المشار اليها، فان من حق اي مواطن ان يسكن أينما يريد في هذه الجغرافيا لكن تبعيته السياسية مختلفة. وبالطبع وضع المتحاورون في حينه ضمانات بأن لا يتم طرد، او ان يتم تبادل سكاني لان لا وجود لدولة فلسطينية منفصلة في مثل هذة التسوية.

لا ندري مقاصد غانتس فيما طرح، هل يتحدث عن حل كالمشار اليه سابقا، ام شيء آخر؟ لذلك عليه ان يوضح أفكاره أكثر، فعلى سبيل المثال هل الكيانان السياسيان لهما الاقتصاد ذاته، هما  كما يشير،  في إطار أمني عام واحد،  ولكن هل يشمل الاقتصاد،  أو انهما يشكلان سوقا اقتصاديا واحدا؟

صحيح ان غانتس ومع كل اليهود يريدون التخلص من " لعنة " الديموغرافيا الفلسطينية، حيث أصبح الفلسطنيون بنفس عدد اليهود وربما أكثر. الفكرة الصهيونية تم إنشائها قبل أكثر من مائة عام، انطلقا من عدم الاعتراف بالشعب الفلسطيني وحقه التاريخي بهذه الارض، فقالوا في البداية المقولة الشهيرة " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " ثم مقولة " أرض أكثر وسكان اقل ". وعندما صاغت الصهيونية مع البريطانيين والامريكان إعلان بلفور عام 1917, صاغوه بحيث ينكر أي حق سياسي للفلسطينيين في ارضهم. وبإستثناء إتفاقات اسلو التي اعترفت فيها إسرائيل بحقوق سياسية للشعب الفلسطيني، ولكن دون الإشارة بشكل واضح لدولة فلسطينية، فإن إسرائيل رفضت التعاطي مع الشعب الفلسطيني من زاوية ان له حقا سياديا على اي جزء من فلسطين التاريخية، والدليل الأخير في مسار التاريخ الصهيوني، هو قانون يهودية الدولة، او قانون القومية، الذي أقره الكنيست ألإسرائيلي عام 2018،  الذي يمنح اليهود وحدهم حق تقرير المصير على ارض إسرائيل، والمقصود من النهر للبحر، اذا لم يكن أكثر.

مشروع غانتس يدور في نفس المراوغة الصهيونية ذاتها منذ أكثر من مائة عام. ولكن من حق الطرف الفلسطيني ان يفهم أكثر ويطلع أكثر عما  يقصده غانتس، فتجاهل الحقوق الوطنية الفلسطينية، يبقي الصراع في دائرة مفرغة.