عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 16 نيسان 2022

التصعيد الاسرائيلي مبيت ومقصود

باسم برهوم

إسرائيل دولة إسبارطية، أي انها دولة جيش وأمن، والعقل الذي يديرها وينميها هو عقل أمني، فما لديها من تطور علمي وتكنولوجي هو في خدمة الجيش والتجسس. فدولة من هذا الطراز، تتغذى من شن الحروب، وصناعة الأعداء، لذلك فإن مثل هذه الدولة عندما تتحدث عن رغبتها بالهدوء تكون بلا شك تحضر لعدوان.

قبل عدة أسابيع من شهر رمضان، بدأت تتحدث إسرائيل عن تصعيد فلسطيني محتمل، وأخذ مسؤولوها يجولون العواصم الإقليمية، بغرض إقناع زعمائها بمطالبة الرئيس محمود عباس، والفلسطينيين بضبط النفس والحفاظ على الهدوء مقابل وعود بتقديم تسهيلات وصول المصلين الى المسجد الأقصى المبارك في القدس المحتلة.

الأحداث المتلاحقة، وما تقوم به آلة الحرب الإسرائيلية منذ أسبوع تقريبا هو بمثابة حرب يتنقل بها جيش الاحتلال من منطقة الى أخرى في الضفة، وبحجة ان ما يقوم به هو "ردة فعل"، وخلال ذلك يد جيش الاحتلال الإسرائيلي مطلقة لارتكاب جرائم حرب حقيقية، كل من قتلهم هذا الجيش هم مدنيون عزل، لم يكن أحد فيهم في حالة مواجهة مع إسرائيل، وبهذا المعنى هناك قصد ونية مبيتة في القتل وممارسة إرهاب دولة.

================

ما تقوم به إسرائيل هو شكل جديد غير تقليدي من العدوان، لا يأخذ طابع العمل العسكري المتواصل وإنما المتنقل يضرب مرة هنا وأخرى هناك، بحيث لا يبدو عدوانا واسعا ينتبه إليه الرأي العام العالمي. منذ أسبوع قتل جيش الاحتلال نساء وأطفالا وشبابا في عمر الزهور، وحاصر ودمر مناطق عدة. ومن يدقق بما يجري يلاحظ ان الخطة على ما يبدو قد تستمر على هذا النحو طوال شهر رمضان.. فمن الذي يصعد هنا؟ ومن الذي يدفع الفلسطينيين لردات الفعل؟

أما السؤال الأهم فيتعلق بالذي تريده إسرائيل من هذا التصعيد، وما هدفها الحقيقي؟

قد يكون الهدف إثبات ان السلطة الوطنية الفلسطينية غير "قادرة على حفظ الهدوء والأمن"، وبالتالي تبرير التواجد الدائم في بعض المناطق المصنفة (أ) أو تسليم هذه المناطق لوكلاء وتطبيق الهدف القديم الجديد بخلق كنتونات متقطعة الأوصال ومتصادمة بعضها مع بعض.

هنا الحديث يدور عن احتمال او سيناريو قد تكون بالفعل تعمل إسرائيل على تنفيذه، فكيف يمكن ان نتصدى له ونفشله؟ لا شيء يمكن أن يصد هذا المخطط سوى بالوعي الوطني وان لا يغري هذا المخطط بعض الفصائل وتسهيل إسرائيل لهم المهمة عبر خلق حالة من الفوضى وتبرر من خلالها سيطرة هذا الطرف او ذاك، فما يهم إسرائيل هو مزيد من التمزق الفلسطيني، واثبات عدم إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة للرأي العالم العالمي.

ولا غرابة ان يكون هناك من يتساوق مع المخطط الاسرائيلي، ويكرر في ماكينة اعلامه، المعومة اقليميا، ما تسربه أجهزة الأمن الإسرائيلية، ليعزز في سياق ذلك تسويق نفسه بأنه هو القادر على ضبط الأمور وحفظ الأمن بالمنطق والكيفية التي تريدها دولة الاحتلال. لعل ما هو مهم الانتباه له والحذر منه ان لا ننساق لنصل في لحظة الى مقولة "أكلت يوم أكل الثور الأبيض".

بالطبع هذا لا يعني ان الدولة الاسبارطية لا تخطئ، فمثل هذه الدول هي التي تخطئ بعد ان تصاب بالغرور، ولكن ما يهمنا نحن هو ان نكون حذرين وان نراقب بدقة ما يمكن ان تكون دولة الاحتلال تخبئه لنا. وخصوصا اننا نعيش واقعا عربيا لا نحسد عليه ابدا، في السابق كنا نقول العجز العربي أو التواطؤ العربي اما اليوم فما يحدث عربيا هو اخطر من كل هذه  الأوصاف.

ومع ذلك فإن شعبنا الفلسطيني اختبر ظروفا صعبة أخرى وصمد خلالها وهو اليوم أقدر على الصمود، فما هو مطلوب ان نضاعف من حسّنا الوطني وألا ننساق وراء الإشاعات أو المزايدات الهدامة. وإذا ما حصّنا حسنا ووعينا الوطني فلن ينال منا أحد.