لماذا المقاومة الشعبية السلمية هي المطلوبة؟
باسم برهوم

قد نتوقع من الفلسطيني كل شيء، خاصة عندما يكون اليأس والاحباط قد بلغ منه ما بلغ، في ظل غياب كامل للأمل، ويرى ان الجغرافيا تضيق من حوله. ومع ان ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي يعطينا الحق بكل أشكل المقاومة للاحتلال الاسرائيلي، ولكن نحن من يحدد شكل المقاومة التي نرى انها تلبي مصالحنا أكثر، وتكون تكلفتها أكثر على العدو.
لقد مارس شعبنا الفلسطيني أشكال متعددة من المقاومة على امتداد أكثر من مئة عام من الصراع، لكنه لم ينجح في إحباط المشروع الصهيوني، والأسباب كثيرة تحتاج إلى بحث اعمق، لكن من أهم الأسباب هي الفجوة الكبيرة في ميزان القوى، والدعم الكبير الذي تتلقاه إسرائيل من الدول الكبرى مقابل ضعف الدعم أو غيابه بالنسبة للفلسطينيين، كل ذلك بالتزامن مع تواطؤ دولي واسع، بالاضافة الى تاريخ من الأخطاء التي ارتكبتها الحركة الوطنية الفلسطينية، خاصة قبل نكبة عام 1948.
شكل المقاومة الأنجع في كل مرحلة نحدده نحن وفقا لرؤية تلاحظ وتحلل واقع الصراع بشكل دقيق، المقاومة المؤثرة، وبغض النظر عن شكلها، هي التي تتمسك بالأهداف وتعمل ضمن استراتيجية وخطة يتم الالتزام بها بعيدا عن ردات الفعل والعشوائية. ولا عيب هنا ان نتعلم من تجارب الآخرين وحتى من تجربة عدونا ذاته، فما ميز الحركة الصهيونية هو التمسك بالأهداف مهما كانت صعوبة الظروف، وحسن التنظيم والعمل ضمن خطة يلتزم بها الجميع.
وضمن واقع أدار فيه معظم العرب ظهرهم لنا، وفي ظل انشغال العالم أو تواطئه، وفي واقع يميل فيه ميزان القوى الراهن بشكل كاسح لمصلحة إسرائيل، فإن أفضل أشكال المقاومة، من وجهة نظري، هي المقاومة الشعبية السلمية. فهذا الشكل من المقاومة مقبول للرأي العام العالمي، ولا يمكن وصفه بالارهاب، وقد تكون تكلفته أقل بالنسبة لنا في صراع طال وقد يطول كثيرا. صحيح ان هذا الشكل من المقاومة يحتاج لطول نفس وصبر لكنه مضمون أكثر، ولكي تكون المقاومة الشعبية السلمية مؤثرة وقادرة على تحقيق الاهداف، لا بد لها من شروط.. فما هي هذه الشروط؟
الشرط الأول حسن التنظيم، ان تكون منظمة جيدا وان يتم فيها العمل ضمن خطة واضحة للجميع. اما الشرط الثاني هو الزخم الشعبي، ان تكون هناك مشاركة واسعة من كل الاجيال والفئات الاجتماعية، بحيث يسهم كل فرد فلسطيني بها. اما الشرط الثالث فهو ان تكون هذه المقاومة شاملة، وهنا أهمية مشاركة كل فرد فيها، ان تكون مقاومة اقتصادية وسياسية وميدانية وتمتد في كل المواقع.
ومن المهم ان يصاحب هذه المقاومة جهد سياسي ودبلوماسي مكثف على الساحات العربية والدولية، بالتزامن مع حملة اعلامية وعلاقات عامة نشطة في اوساط الرأي العام، وهذا هو الشرط الرابع. اذا امتلكنا هذا الشكل من المقاومة وبهذا التنظيم والفاعلية لن يضطر احد منا للخروج عن النص ويأخذ قرارا بنفسه برد فعل غير محسوب، والأهم ألا نسمح لأي طرف خارجي ان يأخذ زمام المبادرة عنا، وان يقوم بتعبئة الفراغ لما يخدم مصالحه.
وربما الشرط الأهم، ان تكون التنظيمات الفلسطينية على اتفاق ووحدة حول هذه المقاومة وتشارك فيها ضمن الخطة الوطنية الشاملة، وأن يكون الالتزام تاما وتحت راية واحدة هو العلم الفلسطيني.
والسؤال: هل ممكن ان تتحد الفصائل الفلسطينية حول استراتيجية موحدة وتقوم بالعمل المفيد المتناغم؟
هذا هو في الواقع السؤال الأهم، لأن شعبنا الفلسطيني، والقضية الفلسطينية قد دفعت ثمن التشرذم والانقسامات، والمهم ان تكون هذه الفصائل ليست مرتبطة ومرتهنة لأي طرف خارجي. هل هذا ممكن؟
ليسأل الجميع نفسه هذا السؤال لأننا لو لم نجب على هذا السؤال فإننا لو استخدمنا المقاومة النووية فلن نفلح. فالبداية الصحيحة لأي مقاومة هو ان تكون تنظيماتنا وفصائلنا حرة الإرادة وتفكر معا وتقرر معا. ليس هناك من مستحيل.. علينا ان نبدأ الآن.