..لدينا الكثير!
تغريدة الصباح- حسن حميد

أعتزُّ وأفتخر، بأنني على تواصل حميم مع أهلي من الكتّاب والشعراء والفنانين وأهل الرأي في بلادنا العزيزة فلسطين، الذين ينتشرون في جميع أنحاء هذ الجغرافيا البهية من مرج ابن عامر إلى غزة، ومن حيفا وعكا إلى أريحا والأغوار، بيننا حوار دافئ، ومودة ضافية، عبر صفحات التواصل الاجتماعي، أفرح لأخبارهم، وأقدّر هممهم الباحثة في الجذور، والمنقبة عن أسباب العطب هنا وهناك، والذاهبة إلى الأحلام لتصير وقائع، وأثمّن موهبتهم التي تفترع الدروب وتولّد الاشتقاقات الجميلة، والأكثر يتبدى في مساهرتهم للوطن وآلامه، وللوطن وأحلامه، إنهم الراؤون، أبناء الحياة الصّعبة في مواجعها، وأبناء الحياة العزيزة في أحلامها!
لكن، ما يؤلمني هو أنني، وبعد أحاديثي معهم، أشعر بأن رنّة الحزن، بادية في طيوفها، وحارقة في آثارها، حين يقولون ويسألون ما الجدوى من كتاباتنا التي لا تصل، لكأنها ولدت حبيسة الأمكنة، حبيسة اللغة، وما الجدوى من الموضوعات التي نكتبها (حول الشهادة والأسر والفقد والعزلة) كي لا تلتهم ما تبقى فينا من إنسانية، وما الجدوى من الحديث عن معاني الكبرياء والكرامة والوعي ومواجهة رواية العدو الكاذبة، وكلّ ما نقوله ونكتبه لا يصل، والأكثر خطورة قولتهم التي تدمي قلبي، عن ماذا نكتب؟! لقد كتبنا عن كلّ شيء، ولم يتبقَ شيء كي نكتب عنه! وعلى الرغم من إجاباتي الكثيرة، والأدراج الكثيرة التي أمدّها كي أصعد وإياهم إلى عالم التفاؤل، أشعر بأنهم يغادرونني وهم على غير قناعة بما أقول، وتظلّ قولتهم: لا جدوى! ترنّ مثل الكلمة الأخيرة التي تطلقها (إيكو) في الأسطورة الإغريقية فتصير صدى مكروراً لعذاب مقيت!
أذكر هذا لأقول، استعادة للأحاديث الطويلة التي دارت بيني وبين أدباء وطننا العزيز ومنافيه، إن كتابات كثيرة دارت حول مقاومة الفرنسيين للألمان في الحرب العالمية الثانية، حتى وصلنا إلى رواية مهمة مثل رواية (صمت البحر) لـ فيركور(1902-1991)، (واسمه الحقيقي: جان بروليه)، وإن كتابات سردية كثيرة كتبت حول معارك نابليون بونابرت (1769-1821) في روسيا، حتى وصلت إلينا رواية عظيمة مثل الحرب و السلام لـ تولستوي (1828-1910)، وإن مئات أو آلاف اللوحات التشكيلية رسمت قسوة الحرب الأهلية في غير بلد من بلدان العالم حتى وصلت إلينا لوحة الغرنيكا لـ بيكاسو(1881-1973)، وإن عشرات الروايات وأكثر كُتبت حول السجون والمعتقلات حتى وصلت إلينا رواية مثل الفراشة لـ هنري شاريير (1906-1973) ..إلخ.
ونحن كتبنا الكثير حول دير ياسين، وكفر قاسم، والدوايمة، والطنطورة، وقبية، ونحالين، وصبرا وشاتيلا.. وما زلنا حتى الآن ننتظر العمل الأدبي، أو اللوحة التشكيلية، أو الفيلم الذي يتحدث عن هذه الأمكنة التي غطّاها الظلموت بأردية الدم، وغيوم الدم ، وأنفاس الدم.
ونحن كتبنا عن المخيمات الكثير الكثير، ولكننا ما زلنا ننتظر العمل الأدبي، أو اللوحة التشكيلية، أو الفيلم الذي يقول إن يدين اثنتين، واحدة سوداء خشنة، يد شوكية عصارتها دم ،هي يد العدو التي أوجدت المخيّمات، وثانية هي يد بانية، أخرجت من الخيمة خلقاً عمّارين، أهل إبداع ورؤى، وأهل قناعات وتشوفات لم تنسَ المكان الأول، ولا التاريخ الأول، ولا الألم الأول، ولا الحلم الأول أيضاً.
إذن، لدينا الكثير مما سنكتب عنه، والآخرون ينتظرون منا أن نكتب ما لم يكتبه كتّاب العالم، وأن نصنع فناً لم يعرفه فنانو العالم أيضاً لأننا ما زلنا في جوف فرن العذاب وطيّ الأسئلة الأليمة.. نقمّر رغيفنا كي نصون الحياة، ونصوغ سؤالنا الأزلي: ما قيمة الحياة بلا وطن؟!