ترامب: نتنياهو ناكر للجميل ولم يكن يريد السلام
باسم برهوم

كان على استعداد لفعل أي شيء من أجل صديقه نتنياهو، هذا ما قاله الرئيس الأميركي السابق ترامب، وبالفعل قام بإهدائه هضبة الجولان ليعزز فرصه بالفوز في انتخابات عام 2019, وكان قدم له ولإسرائيل ما لم يقدمه أي رئيس أميركي آخر، عندما أعلن في نهاية عام2017 بأن القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل. ولاحقا بذل ترامب كل الجهود لإنجاح "سلام إبراهيم" وتطبيع وجود إسرائيل في المنطقة وفي البيئة العربية عبر سلسلة اتفاقيات مع دولة الإمارات والبحرين والمغرب وإقامة علاقات مع السودان.
ترامب في مقابلة مع الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد الذي يعد كتابا بعنوان "سلام ترامب: اتفاقيات إبراهيم وإعادة تشكيل الشرق الأوسط"، كال خلالها كل أنواع الشتائم لحليفه الأقرب والذي هو من نفس طينة نتنياهو اليمينية العنصرية، واعتبره ناكرا للجميل؛ لأنه سارع لتهنئة غريمه الرئيس بايدن بينما كان هو لا يزال يشكك في نتائج الانتخابات الرئاسية في خريف عام 2020. ومن أبرز ما قاله ترامب إنه أدرك أن نتنياهو لم يكن يريد السلام نهائيا مع الفلسطينيين، وحتى لم يكن يريد الصفقة، أي صفقة القرن، بمعنى أن نتنياهو لا يريد أي شكل من أشكال التسويات مع الجانب الفلسطيني
وأذكر هنا أيضا بما قاله الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في مذكراته، بأن نتنياهو ماكر ومخادع، وكرر الرأي نفسه بأنه لم يكن يوما يرغب بإقامة سلام مع الفلسطينيين. المشكلة التي لا يريد الرؤساء الأميركيون أن يروها، أن إسرائيل الصهيونية كلها لا تريد سلاما مع الشعب الفلسطيني، ولا ننسى في هذا السياق أن نتنياهو والدولة الصهيونية العميقة في إسرائيل هم من كانوا وراء اغتيال إسحق رابين في خريف عام 1995 الذي وافق على توقيع أول اتفاق سلام مع الفلسطينيين.
من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن أي اتفاق سلام حقيقي وعادل نسبيا ويقود إلى تحقيق بعض الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، من شأنه أن ينسف عمليا الرواية والادعاءات الصهيونية. فالمشكلة لا يمكن تلخيصها بشخص نتنياهو، بالرغم من كونه الأكثر سوءا، فإن المشكلة هي في هذا الجوهر الصهيوني الذي لا يمكن أن يقبل بأي حل وسط فيما يتعلق بالحقوق السياسية والتاريخية للشعب الفلسطيني، فنتنياهو بهذا المعنى هو الممثل الأكثر وضوحا لهذا الجوهر، إلى درجة أن رئيسا أميركيا يمينيا متشددا وصهيوني الميول، اكتشف أن إسرائيل الصهيونية لا تريد السلام وبأي شكل مع الشعب الفلسطيني.
المسألة يمكن تفسيرها كالتالي: إن الفكرة الصهيونية تم بناؤها أساسا على نكران وجود الشعب الفلسطيني، وأن فلسطين، هي حصرا يهودية، هي "أرض الميعاد"، والصهيونية كممارسة هي هجرة واستيطان وتوسع، أي اتفاق سلام مع الجانب الفلسطيني يمكن أن يؤثر على أصل الفكرة وتطبيقاتها هو أمر مرفوض من حيث المبدأ للغالبية الساحقة من الإسرائيليين ومن كل المؤسسة الأمنية الحارسة للمشروع الصهيوني.
وللتوضيح فإن إسرائيل رفضت في كل اتفاقيات السلام أية إشارة لدولة فلسطينية مستقلة، ورفضت أية إشارة للحقوق الوطنية الفلسطينية، فكيف يمكن على سبيل المثال أن توافق على حق تقرير المصير للفلسطينيين، وقانون يهودية الدولة ينص بشكل صريح على أن هذا الحق على هذه الأرض هو حصريا لليهود. وإذا بدأنا باتفاق السلام المصري الإسرائيلي الذي وقعه الرئيس السادات مع مناحيم بيغن عام 1978، فبالرغم من ثقل مصر وحاجة إسرائيل الماسة للسلام معها، فإن السادات فشل في فرض أية إشارة تنص على أي حق من حقوق الفلسطينيين.
وفي اتفاقيات أوسلو وعندما اعترفت إسرائيل للمرة الأولى بوجود الشعب الفلسطيني، فإنها عملت كل ما تستطيع بألا يقود هذا الاتفاق إلى تجسيد أي حق وطني فلسطيني على الأرض، وكما سبقت الإشارة، حتى أنها اضطرت إلى اغتيال رئيس وزرائها رابين، وبعد هذا الاغتيال أصبح كل المنحى هو تفريغ الاتفاق من أي مضمون، وقامت بوضع الشعب الفلسطيني في ظل حصار وبكل مكوناته.
فالمسألة يا ترامب ليست محصورة بصديقك ناكر الجميل نتنياهو، فاليوم هناك حكومة إسرائيلية تجمع اليسار واليمين اتفقت على شيء وحيد، هو عدم إجراء مفاوضات سياسية مع الفلسطينيين. وزير الحرب غانتس، والذي قال عنه ترامب بأنه أقرب لعمل سلام مع السلطة الوطنية الفلسطينية من نتنياهو، قال في آخر تصريح له إن ما نريده الآن من حديث مع الجانب الفلسطيني هو الأمن والاقتصاد، ولا حديث معهم في هذه المرحلة في السياسة.
ولكي يتنصل الجميع من المسؤولية، يقولون إن هناك انقساما فلسطينيا يمنع إجراء مفاوضات حول تسوية سياسية، ولكن هل كان قبل عام 2007 انقسام؟ وكانت بين يدي الطرفين خارطة طريق من المفترض أن تقود إلى تسوية، ولكن كما أشرت إسرائيل الصهيونية تعتقد أن أي اتفاق يقود إلى حصول الشعب الفلسطيني على بعض حقوقه الوطنية يعني عمليا نهاية المشروع الصهيوني.
تغير هذه الحقيقة بحاجة إلى تغيير ميزان القوى، وهذا التغير يبدأ بأن يكون الشعب الفلسطيني موحدا وبشكل صلب ومتين، ومن خلفه أمة عربية داعمة له ولا توقع اتفاقيات تطبيع من خلف ظهره، وبحاجة إلى عالم أكثر إنصافا وعدلا، ولكن الخطوة الأولى تبدأ من عندنا نحن، أن نغير مشهد الانقسام والتردي، بتشديد وحدوي وتماسك أكثر، وهذا أهم مما قاله ترامب، أو أوباما، وحتى نتنياهو نفسه.