عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 11 تشرين الثاني 2021

أسطورة النضال والكفاح القائد المعلم الخالد ياسر عرفات

صفحات من كتاب أحياء على درب النصر

يعتبره الفلسطينيون والعرب رمزا شامخا للنضال الوطني والثورة العالمية. تماما كما اعتبر الفرنسيون شارل ديغول رمز كفاحهم، وكما اعتبر مواطنو جنوب أفريقيا نلسون مانديلا رمزا لتحررهم، وكما اعتبر الهنود المهاتما غاندي رمزا لمقاومتهم السلمية ثم استقلالهم.

عاش ثورة بساط الريح متنقلا بين العواصم والدول. ومارس الكفاح المسلح وحرب الشعب طويلة الأمد والدبلوماسية والعمل السياسي والإعلامي، وكرس في حركة فتح والثورة الفلسطينية فكر الوسطية والمرحلية والواقعية والرؤية الصائبة.
قيل فيه الكثير وسيُقال. ولكن تبقى حقيقته الأساسية واضحة لأبناء شعبه وللعالم أجمع: فلقد ظل عرفات وفيا للثوابت التي آمن بها، كقضايا القدس واللاجئين والدولة، وكان مرنا جدا في كل شيء إلا في تلك الثوابت، توفي في باريس ودفن في رام الله تمهيدا لنقله إلى مسقط رأسه في القدس.

المولد:
هو محمد ياسر "اسم مركب" عبد الرؤوف داود عرفات القدوة الحسيني، ولد في اليوم الثاني لثورة البراق في 4/8/1929 في مدينة القدس.

بداياته:
قطع دراسته في السنة الجامعية الأولى ليلتحق بجيش الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني، وبعد هزيمة الجيوش العربية إثر (النكبة) عام 1948 عاد لدراسته، واشتعلت في رأسه مذاك راية النضال والاعتماد على الذات في تحول نهائي في حياته.
انضم عرفات إلى رابطة الطلبة الفلسطينيين، في جامعة (القاهرة) التي تولى رئاستها بجدارة بين الأعوام 1952 – 1956 أثناء دراسته للهندسة المدنية لأربع دورات متتالية وذلك لحركيته الكبيرة وشخصيته الجذابة وخدمته للطلاب، وقدرته على كسب دعم كافة الأطراف من القوميين والليبراليين وعدد من الإخوان المسلمين.

عرفات وحرب السويس:
شارك ياسر عرفات في دورات عسكرية. وقام بتدريب المتطوعين في مصر، وشارك في تهريب الأسلحة عبر سيناء إلى فلسطين، وحارب الثائر عرفات مع الفدائيين المصريين في القنال عام 1951 ضد الإنجليز، ونظم وشارك في المظاهرات المناهضة للهجوم على غزة عام 1954، وضد الأحلاف إلى أن قابل الرئيس جمال عبد الناصر لأول مرة على رأس وفد طلابي.

عرفات المؤسس:
شارك في تأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) حيث عقد الاجتماع التأسيسي الأول أواخر عام 1957، ولتظهر حركة فتح بقوة منذ أواخر العام 1959، ويصدر مع خليل الوزير أبو جهاد مجلة فتح الأولى (فلسطيننا – نداء الحياة) التي استمرت حتى العام 1964.
لقد تشكلت (فتح) من تلاقي عدة أنوية ثائرة ضاقت بالواقع العربي المأزوم وسعت للتحرر الوطني، حيث توحدت الأفكار والأهداف التي تدعو لنزع رداء الحزبية والانضمام لحركة وطنية فلسطينية مستقلة تسعى للعودة من خلال شعار (ثورة حتى النصر) في إطار عربي ودعم مالي.
ومن الجدير إشارته هنا أن ياسر عرفات وخليل الوزير (كانا يبحثان عن وعاء وإطار لتلك الأنوية أو الأفكار يحول النظري إلى العملي، وكانا مفتونين بتجربة الثورة الجزائرية التي كانت في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي تحقق الانتصارات، وتسطر ملاحم كفاحية، ومن تجربة جبهة التحرير الوطني الجزائري استلهما الفكرة).
ومن خلال اتصالاته الدؤوبة استطاع مع زميله خليل الوزير (أبو جهاد) إقامة علاقة مع جبهة التحرير الجزائرية منذ العام 1962، وفي العام 1964 فتحت دمشق أبوابها للعمل الفدائي، وفي ذات العام افتتح ياسر عرفات وأبو جهاد العلاقة المميزة مع الصين.

الانطلاقة 1965:
بدأت الحركة الوليدة بقيادة ياسر عرفات عملياتها المسلحة ضد العدو الصهيوني في العام 1965 في العملية الشهيرة (عملية نفق عيلبون في 31/12/1964)، ما فتح أعين العالم العربي، والعالم أجمع، على حقيقة نهوض المارد الفلسطيني مجددا.
التقى عرفات مع الرئيس جمال عبد الناصر لقاء تاريخيا أواخر العام 1967 بعد (نكسة) حزيران، حيث طلب منه الرئيس جمال عبد الناصر إشعال حرائق في المنطقة، فقال له عرفات: بل سأشعل ثورة، وحينها قال عبد الناصر: إن الثورة الفلسطينية أنبل ظاهرة وهي وجدت لتبقى، ليضيف أبو عمار ولتنتصر.
دخل عرفات إلى فلسطين ليشكل الخلايا ويؤسس للعمل المسلح في الداخل.

معركة الكرامة 1968:
في 21/3/1968 خاضت طلائع حركة فتح وتنظيمات أخرى، بالاشتراك مع قوة من الجيش العربي الأردني معركة مباشرة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي وهي معركة الكرامة المجيدة التي انتهت بنصر كبير أدى لانحدار قوات الاحتلال الإسرائيلي بعد تكبدها خسائر كبيرة في الأرواح وفي المركبات العسكرية والدبابات الإسرائيلية، وكانت نتيجة المعركة نصرا خالدا أدى إلى صعود نجم حركة فتح وانضمام الآلاف لصفوفها.

من فتح إلى منظمة التحرير الفلسطينية:
في 14/4/1968 اختير ياسر عرفات ناطقا رسميا باسم حركة (فتح)، وفي 4/2/1969 انتخب رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومنذ ذلك الوقت تبنت فتح شعار الدولة الديمقراطية لكافة الأديان والطوائف في فلسطين.

عرفات صوت فلسطين في الأمم المتحدة:
كان العمل الفدائي في الأردن عميق الفعل حيث آلاف العمليات المدمرة ضد العدو الإسرائيلي، إلا أن الخلافات مع الحكم حينها أدت للخروج من الأردن إلى لبنان عام 1971.
وفي 13 تشرين الثاني 1974، تحدث عرفات كرئيس للجنة التنفيذية لـ (م.ت.ف) للمرة الأولى أمام الجمعية  العامة للأمم المتحدة في نيويورك في أضخم حدث تاريخي فلسطيني قائلا: "لقد جئتكم حاملا غصن الزيتون بيد وبندقية الثائر في الأخرى، فلا تدعو غصن الزيتون يسقط من يدي".

عرفات في لبنان:
في العام 1973 اختير ياسر عرفات الذي اشتهر بكوفيته وإشارة النصر وباسم الختيار توددا وتحببا اختير قائدا عاما لقوات الثورة الفلسطينية التي ضمت مختلف الفصائل.
وفي 13 نيسان 1975، مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان التي استمرت حتى الثمانينيات، وقف عرفات في صف القوى الوطنية والتقدمية اللبنانية بزعامة كمال جنبلاط.
وفي حصار بيروت الذي استمر أكثر من 80 يوما من القصف الإسرائيلي المكثف رفض عرفات عروض الاستسلام من (أرئيل شارون) وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك، واستمر في صموده الأسطوري تحت شعار(هبت روائح الجنة) حتى خرج شاكي السلاح من قواته الباسلة.

الانتفاضة وإعلان الاستقلال:
لقد كان لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، انتفاضة الحجارة (1987 – 1993) ضد الاحتلال الإسرائيلي وتعرض الفلسطينيين فيها للقمع والقتل، أثره في حصول القضية الفلسطينية على تعاطف دولي، استثمره عرفات بحنكته السياسية لتحريك عملية السلام حيث دفع المجلس الوطني الفلسطيني بدورته المنعقدة في الجزائر في 15 تشرين الثاني 1988 إلى تبني قرار مجلس الأمن الدولي 242 وفي الوقت ذاته، أعلن المجلس قرار إقامة الدولة الفلسطينية.

عرفات يعود إلى غزة، وسلام الشجعان:
سار الرئيس عرفات بعد حرب الخليج الثانية 1991 في مسار محادثات مدريد ثم واشنطن إلى أن استطاع توقيع اتفاقات أوسلو عام 1993، والتي تبعتها عدة اتفاقيات أخرى مهدت لنشوء السلطة الوطنية في الوطن.
وفي 1 تموز 1994 خرجت غزة عن بكرة أبيها لاستقبال عرفات والعائدين معه من كوادر فتح والثورة الفلسطينية بحفاوة كبرى، بعد 27 عاما قضاها في المنفى، واتخذ عرفات من غزة مقرا لقيادته.
في 20 يناير 1996 انتخب عرفات رئيسا للسلطة الفلسطينية في انتخابات ظل يفتخر دوما بأنها كانت حرة وشفافة في منطقة نادرا ما تشهد مثلها.

من "كامب ديفيد" الثانية إلى الانتفاضة الثانية:
رفض أبو عمار في قمة كامب ديفيد عام 2000 تقديم تنازلات لإسرائيل في قضايا تتعلق بالوضع النهائي للأراضي الفلسطينية ومن بينها القدس، ما أشعل الانتفاضة الثانية، وما زاد اشتعال أوار المحبة له في قلوب الجماهير، تلك التي أثناء حصاره منذ عام 2002، خرجت بالآلاف في رام الله وكل فلسطين تطالب بفك حصاره الظالم وهو يردد (على القدس رايحين شهداء بالملايين).

استشهاد رجل عظيم:
صادق الكنيست الإسرائيلي على (فك الارتباط) عن الضفة الغربية، قبل يوم واحد من تدهور صحة الرئيس عرفات، الذي سممه الإسرائيليون بقرار من القاتل "شارون"، وتم نقله بعد يومين تقريبا، إلى باريس حيث حاول الأطباء تحسين وضعه الصحي وإنقاذ حياته في مشفى (بيرسي) العسكري، ولكن قضاء الله لا راد له. وفي فترات صحوه القليلة وبرغم توسلات الأطباء كان يصر على دوام الصيام والصلاة.
في الساعة الرابعة والنصف من فجر الخميس الحادي عشر من تشرين الثاني نوفمبر 2004 أعلن المشفى الفرنسي وفاة الرئيس الخالد والقائد العظيم ياسر عرفات، عن عمر يناهز 75 عاما.

شخصية الرمز ياسر عرفات:
تعرض عرفات طوال مسيرة قيادته لحركة فتح والمنظمة للكثير من المصاعب والمحن والكوارث مع المنطقة والدول العربية التي واجهها بالاستقلالية  للقرار الوطني الفلسطيني وبالتمسك بالثوابت والنظرة الصائبة. كما تعرض لعدد من حركات التمرد ضده، والتي استطاع أن يقف بوجهها ويقارعها كالطود الشامخ.
استطاع أبو عمار (الختيار) أن يخوض المعارك العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي بنفس القوة والتماسك والعنفوان الذي تميز به في معاركه السياسية والإعلامية والدبلوماسية والنقابية منذ مرحلة الطلاب إلى فتح ثم من خلال منظمة التحرير الفلسطينية وكرئيس للسلطة الوطنية الفلسطينية وأول رئيس لدولة فلسطين، حيث كان يجابه الصلف الصهيوني بالتمسك بالمبادئ قائلا: (إن فيها قوما جبارين) (ومن لا يعجبه فليشرب من بحر غزة).
تميز ياسر عرفات بالصبر مع تقدير أهمية الظفر، وبالتقشف الشخصي مع الكرم تجاه الآخرين، كما تميز بالتدين والورع حيث كان يحافظ على الصلوات والشعائر، وهو ذو شخصية عاطفية لا يستطيع إخفاء مشاعره، وبراغماتي عملي يقرأ الواقع ويتعامل مع المعادلات، امتلك قدرة في ربط العلاقات العامة الواسعة ، تدعمه شخصيته الصلبة الثابتة الشجاعة، وعرفات شخصية متسامحة مع الأديان كافة، محبوبة من الجماهير، تتميز بعقلية وحدوية وقدرة توفيقية.
ويصفه من عمل معه بأنه رجل شغول غير ملول يعمل بشكل متواصل ولساعات طوال ليلا ونهارا، وهو سياسي محنك  وقائد كاريزماتي، ومناور كبير مع أعدائه. وهو أيضا مجادل لا يعدم الحجة امتاز بالقوة والصرامة مع ثقة عالية وإيمان بالله والقضية والنفس.

كتبوا عنه:
عن الخالد ياسر عرفات كتبت مئات الكتب، وآلاف المقالات والدراسات، وبكافة اللغات. ويمكن لأي باحث أن يجد عن الشهيد القائد الكبير الكثير مما يقال، إذ كتب عنه أصدقاؤه مساعدوه ومزاملوه، كما كتب عنه العديد من الأجانب. وأيضا أعداؤه ما يجعل من شخصيته ذات عمق عالمي استطاع بحق أن يكون رمزا عالميا لفلسطين، ورمزا عالميا للثورة لكل الأحرار في العالم.