من أجل فلسطين.. لنوقف مثيري "الخلاف"
ماهر حسين

في الحقيقة بأننا وكفلسطينيين وبحكم ما تعرضنا له منذ عام 1948م بتنا نميل الى "جلد الذات" والى تحميل الآخرين مسؤولية ما حدث لنا، طبعا "جلد الذات" و"لوم الآخرين" مرتبط بأحداث النكبة عام 1948 ولاحقا النكسة عام 1967 وقد استغل أتباع "نظرية المؤامرة" كل ما حصل لإضعاف شعبنا وإفقاده الثقة بقدرته.
لن أتحدث عن معاناة أبناء الشعب الفلسطيني الناتجة عن الاحتلال، سأذكر نفسي وأذكر القارئ الكريم بكل فخر بأن تجربة اللجوء التي أنتجت المخيمات الفلسطينية البائسة كانت هي انطلاقتنا للثورة، حيث بفعل الإرادة الفلسطينية تحولت هذه المخيمات الى قلاع للنضال وللكرامة، كما أن تجربة الاعتقال في سجون الاحتلال تحولت بإرادة المناضلين الى جامعات للوطنية وللوعي. وآخر البطولات الفلسطينية في سجن جلبوع باتت ملهمة لكل أحرار العالم، وبهذا المقام نتوجه بالتحية الى الأسرى الأبطال في سجون الاحتلال ونقول بأن الحرية قادمة لا محالة.
كما يحق لنا أن نفخر وأن نكبر بنضال المخيمات وبوعي الأسرى وصمودهم، وأن نفخر بالانتماء الى الأرض المباركة والمبارك ما حولها.
ولكن يجب أن نتحدث عن أسوأ ما فينا الآن وهو الانقسام، فما يقتلنا الآن هو الانقسام الذي بات مرضنا الأكبر. والانقسام ليس خلافا سياسيا، بل هو انفصال بفعل انتماء البعض الى أجندة تأتي بها فلسطين في المرتبة الثانية وليس الأولى، أكرر بلا تردد بأن الانقسام ليس خلافا عاديا بل هو هوة عميقة وقع فيها البعض منا وللأسف لأن الانتماء للجماعة الأم فاق الانتماء للوطن.
بكل الأحوال "لوم الآخرين" وصولا لحفلات الشتم والتخوين لكل ما ننتمي له من عروبة و"جلد الذات" وصولا الى التشكيك التام بالفلسطيني هي الأسس التي يجعل منها البعض وسيلة لعزلنا عن عالمنا العربي، ولجعل شعبنا يفقد الثقة في قدرته وموقفه وهويته وبالتالي نصبح بلا أي حضور وبلا أي تأثير وتتراجع امكانيتنا على الفعل والتأثير ليتمكن المحتل من هزيمتنا وصولا إلى القبول بكل ما يطرحه الاحتلال لنا.
أكرر "لوم الآخرين" وحفلات الشتم و"جلد الذات" وحفلات التشكيك هي أدوات يحركها البعض متعمدا لعزلنا ولإضعاف قضيتنا وللتمهيد لهزيمتنا وعلينا الحذر من هذا الأمر.
أضيف اليوم خطرا جديدا علينا محاربته وهو "امتهان الاختلاف" من مثيري الخلافات، حيث بات البعض منا مختص في إدارة أنواع الخلاف لتعزيزها ولمنع أي مجال للتوافق في أي موقع وعلى عدة مستويات فتجد "مثيري الخلاف" في الوطن يتنقلون بين أبناء القرية الواحدة أو المدينة الواحدة وتجدهم منتشرين على مستوى الوطن وخارجه يتهمون هذه البلدة ويشككون في تلك العائلة ويفرقون بين تلك المدينة والأخرى.
سأبدا "بمثيري الخلاف" في القرى والبلدات والمدن حيث تجد هؤلاء الأكثر نشاطا عند استحقاق الانتخابات البلدية.
بالنسبة لنا من الطبيعي أن يكون هناك تنافس في الانتخابات، ومن الطبيعي أن يتقدم البعض للترشح، ولكن من غير الطبيعي أن نجعل التنافس على خدمة البلد خلافا يرجع الى تاريخ غابر من الخلافات العائلية والقبلية والعشائرية وهذه هي مهمة "محترفي الخلاف" الذين يحولون العملية الانتخابية إلى خلافات عميقة تضرب من وحدة القرى والبلدات والمدن.
سأتحدث كذلك عن الخارج وعن الجاليات الفلسطينية حيث يكون "مثيرو الخلاف" الأشد نشاطا عند الانتخابات أو عند أي استحقاق مرتبط بالوطن، فيقوم هؤلاء بفتح الدفاتر وتقسيم الجميع. لتجمع الجالية الفلسطينية في أي دولة أهمية لنحفظ هويتنا ولنعبر عن قضيتنا بأفضل الطرق عندما تتاح لنا الفرصة بموجب القانون المعمول به في الدول التي تقيم بها جالياتنا.
إذا أردنا التقدم كشعب فلسطيني علينا أن نتوقف عن "لوم الآخرين" وأن نركز على تطوير حضورنا اقتصاديا واجتماعيا، ولنتقدم كشعب فلسطيني علينا أن نتوقف عن "جلد الذات"، فنحن شعب الجبارين، ولنتقدم كشعب فلسطين علينا أن نحارب "مثيري الخلاف" أصحاب الفتن.
علينا التوقف عن "لوم الآخرين" والتفكير بتطوير ذاتنا ومجتمعنا وعلينا العمل الجاد على وقف "جلد الذات"، فنحن ننتمي الى شعب عظيم والى أمة تستحق أن نفخر بها، ويكفينا بأن الخير بهذه الأمة باق إلى يوم الدين. وعلينا محاربة "مثيري الخلاف" لأن دفاترهم العتيقة لا تحمل سوى ما يفرق ولا يجمع، فعند كل استحقاق انتخابي ستجد "مثيري الخلاف" يعدون دفاترهم ويجهزون قصصهم لشق الصف، فلا تسمحوا لهم وثقوا بأن المسؤولية تكليف وليست تشريفا، وبأن الانتماء لقضية عادلة مثل فلسطين يحتاج الى وعي وإيمان.
أخيرا، ورغم كل التحديات المفروضة علينا، ورغم كل الصعوبات، فإنني على ثقة تامة بأن فلسطين الحضارة والجمال حاضرة بتميز وشرف في كل المحافل من خلال قيادتنا وشعبنا الجبار، والمطلوب منا أن نزيد جمال حضور فلسطين جمالا بأفعال نعلم بأن الوفاء يحكمها وبعض هذه الأفعال مما نعلم به ونسمع به يدل على أصالة هذا الشعب.