عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 تشرين الأول 2021

وجع النصر المنقوص.. حرب تشرين كما عشت أيامها

‏شرفة الحياة- فتحي البس

في يوم السبت السادس من تشرين الأول 1973، كنا طلبة الجامعة الأمريكية في بيروت في رحلة إلى مزرعة الجامعة في البقاع نحتفل بالطلبة الجدد ونتقرب منهم باحثين عمن يصلح للتنظيم منهم. طرنا فرحا عندما انتبهنا إلى صوت محمد مطر رئيس مجلس الطلبة، يدعو الطلاب للاقتراب ليعلن خبرا- مهما- بأعلى صوته، قال مبتهجا: بدأت الحرب، بدأت مسيرة التحرير. أعلنت مصر وسوريا أن قواتهما اندفعت لتحرير سيناء والجولان، وطبعا، فلسطين إن شاء الله.
دعانا إلى العودة إلى الباصات للانطلاق إلى بيروت. كان الإعلان مفاجئا، أدخل السعادة والحماسة إلى نفوسنا. ها هي الجيوش العربية التي فقدنا الأمل في أنها يمكن أن تتحرك، تهاجم وتندفع. أطلق سائقو الباصات إذاعة القاهرة لنسمع بيانات الحرب أثناء العودة. نهلل مع كل بيان. ونغني مع عبد الحليم "يا أهلا بالمعارك" ومع أم كلثوم "والله زمان يا سلاحي".
فور وصولنا إلى بيروت مع الغروب، عقدت قيادة التنظيم اجتماعا- عاجلا-. وضعنا خطة للتحرك- داخل الجامعة- دعما للحرب: يتولى مجلس الطلبة تنظيم الفعاليات وينضم أعضاؤنا إلى اللجان التي يشكلها. 
تحت عنوان وجع النصر المنقوص، كتبت في كتابي انثيال الذاكرة:
تواصل الفرح باندفاع الجيش المصري إلى عمق سيناء بعد تحقيق معجزة تحطيم خط بارليف، أسطورة إسرائيل ومدعاة اطمئنانها أن الجيش المصري لن يغامر باجتيازه، وإن غامر فسيدمر. وكذلك باندفاع الجيش السوري إلى هضبة الجولان وتحقيق نجاحات ممتازة.
وزاد اعتزازنا بالثورة الفلسطينية وهي تشعل جبهة الجنوب، وتشارك في معارك سيناء من خلال مجموعات بإمرة الجيش المصري وقوات عين جالوت التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية. تساءلنا عن دور الأردن، كان التبرير أنه لم يكن شريكا في خطة الحرب ولا علم له بها، مع ذلك أعلن أنه وضع اللواء الأربعين في تصرف قيادة الحرب، لحماية خاصرة الجيش السوري، وقيل- لاحقا- إنه ساهم في الحرب، وفي منع اندفاع الجيش الإسرائيلي إلى طريق دمشق.
هللنا لتحرك الجيش العراقي لدعم الجبهة السورية رغم القطيعة بين النظامين.
نتعلق بإمكانية تحقيق الحلم في أن يهزم العرب إسرائيل، طالما أخذوا المبادرة فلا بد أنهم كانوا مستعدين.
سألني أحد الطلبة عن دور فتح في الحرب، فأجبت بأننا أشعلنا جبهة الجنوب، ويشارك مقاتلونا على الجبهة السورية والمصرية، فرد: أي أنكم أرسلتم جيشا للمشاركة في حرب تشرين.
أجبت بانفعال: لسنا جيشا، لكن فليكن، إذا كانت الحرب تقتضي ذلك. سمعت تعليقا- ظل يتردد لاحقا- بين أصدقائي: "أرسل الجنرال فتحي جيشا- في تشرين". وأتبعوه لاحقا بتعليق ساخر "لذلك هزمنا"!......
بدأ القلق يساورنا، توقف الجيش المصري عن الاندفاع ولم نعد نسمع الكثير عن انتصارات يحققها الجيش السوري في الجولان. اعتقدنا أن مقتضيات الحرب تفرض ذلك، لكن حلمنا تبدد بسرعة، ونحن نسمع عن اختراق شارون لثغرة الدفرسوار، ومحاصرة الجيش الثالث المصري. انهارت معنوياتنا بقبول الرئيس السادات لقرار وقف إطلاق النار، ورفض سوريا له، فانفردت إسرائيل بالجبهة السورية. تحقق اختراق الجيش الإسرائيلي للخطوط السورية وبدا انه يتقدم باتجاه دمشق.
لم تلتزم إسرائيل بقرار مجلس الأمن رقم 338 بالوقف الفوري لإطلاق النار، وسّعت الثغرة وحاصرت الجيش المصري، وبكينا دما ونحن نشاهد اللواء محمد عبد الغني الجمصي، الذي حل محل رئيس الأركان سعد الدين الشاذلي يدخل إلى خيمة التفاوض في الكيلو101.
أوجعنا النصر المنقوص. كان يمكن تحقيق النصر كما قال سعد الدين الشاذلي رئيس أركان الجيش المصري الذي أقاله السادات لاحتجاجه على تدخله بالحرب مما أدى إلى ضياع فرصة تذوق حلاوة نجاح العبور.
اكتمل الحزن الذي أدمى القلب باتفاقيات فك الاشتباك على الجبهة المصرية والسورية. وبدأت جولات هنري كيسنجر المكوكية للمنطقة، ودخلنا منذ ذلك التاريخ في دوامة الحديث عن التسوية، ومؤتمراتها المتعاقبة. ساد الوهم عند الأنظمة أننا انتصرنا في حرب أكتوبر.
زاد إيماننا بأن الجيوش العربية لن تحقق نصرا على جيش العدو، وأن حرب التحرير الشعبية هي الوسيلة الوحيدة المتاحة، فزدنا من استعدادنا لحرب قد تفرض على الفلسطينيين لأنهم وحدهم ما زالوا يطلقون النار. بدأنا نفكر بدور يسهم في تعزيز أمن المخيمات وحمايتها وخصوصا من الغارات الإسرائيلية، فبادرنا إلى تشكيل لجنة، يسهم فيها طلبتنا من كلية الهندسة لتحصين المخيمات وبناء الملاجئ فيها. قامت اللجنة بالتنسيق مع مسؤولي المخيمات وفتح بدور كبير في بناء ملاجئ قللت الكثير من خسائر أبناء المخيمات لاحقا.
جلست حزينا على مقعد مطل على الملعب الأخضر والبحر. الأخضر والأزرق لونان يدخلان سكينة للنفس. أنظر- بعيدا- إلى يافا وحيفا وعكا وغزة. حلمت بأني أراها قبل الموت. تبخر الأمل بأني من جيل سيشهد التحرير، لكن جيلنا كان يعزي نفسه بأنه يؤسس ويبني لتمكين الأجيال من بعدنا أن تحمل منجلا؛ كما في أغنية الثورة التي نرددها دائما:
أنا يا أخي، أنا يا أخي
 آمنت بالشعب المضيع والمكبل..
 فحملت رشاشي لتحمل بعدنا الأجيال منجل.
انضمت إلي فاتن. حدثتها عن أحلامي وآمالي وأحزاني. استمعت إلى النهاية. أذكر أن حديثي كان وجدا وغضبا وحسرة.
علّقَت: أنت مكتئب لما حصل!
قلت: نحن لا نعرف الاكتئاب.
إنه مرض. نحن نحزن أو نفرح أو نغضب وأنا في قمة الغضب.
تظل حرب تشرين مجيدة رغم الخسارات التي نتجت عنها، فعلى إثرها عقد مؤتمر مدريد وما تلاه من مؤتمرات، واتفاقات وحروب وهزائم وتبخر الأمل في أني من جيل سيشهد التحرير، لكني واثق أننا عبّدْنا الطريق لجيل بعدنا سيفعل.