عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 06 حزيران 2021

شرفة الحياة- فتحي البس

النداء المرفوض.. أحصنة تسابق الريح إلى المجهول

تتوجه الأنظار إلى القاهرة حيث ستجتمع الفصائل والقيادات الفلسطينية هذا الأسبوع بدعوة من الرئيس السيسي وبرعاية الرئيس محمود عباس. أعلنت مصر بوضوح أنها تريد من هذا الاجتماع تثبيت الهدنة وبدء الإعمار وتحقيق الوحدة الفلسطينية بإنهاء الانقسام، والتوصل إلى رؤية مشتركة تمثل الحد الأدنى الذي يُمكِّن منظمة التحرير الفلسطينية من القيام بمسؤولياتها أمام دول العالم والإقليم كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.
كل الفلسطينيين يتطلعون إلى نجاح مساعي مصر، فهي الجار ومركز القيادة التاريخي التي عجزت كل الدول بما فيها الولايات المتحدة عن تجاوز دورها.
في هذا الوقت الذي يسود فيه التفاؤل والأمل، تنطلق حملة منسقة ومتزامنة تعتبر منظمة التحرير وعمودها الفقري حركة فتح غير ذات صلة، وتتجاوز على العقل والمنطق بدعوة فورية لإقالة الرئيس محمود عباس من كل مناصبه فورا بادِّعاءات مكرَّرة وممجوجة منذ سنوات طويلة، لا تتحملها نتائج ما تحقَّق من وحدة فلسطينية جامعة في الميدان وفي المواقف التي تتحدى المشروع الصهيوني.
فقد صدر نداء من مثقفين وأكاديميين وشخصيات فلسطينية يحمل هذه الدعوة، ويبارك ما سُمِّيَ الحملة الوطنية لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية التي انطلقت بالتزامن مع هذا النداء.
بالتدقيق في الأسماء الأولى التي أطلقت النداء والحملة، نجد أنها هي نفسها التي نظمت مؤتمرات وندوات في إسطنبول ولندن وبيروت كان هدفها نزع شرعية التمثيل عن منظمة التحرير، وحامت الشبهات حولها لأنها تحتاج إلى تمويل ضخم وقدرة تتجاوز الأفراد في التنظيم وتقديم الخدمات اللوجستية، وانتخبت لها قيادات للمتابعة، ثم صمتت لأنها لم تجد دعماً ولا صدىً بين أبناء الشعب الفلسطيني، وربما تخلت عنها الدول أو القوى الداعمة، فهي لا تراهن على أحصنة تسابق الريح إلى المجهول.
وبالتدقيق أيضا، نجد أنها تدور في فلك جهة واحدة، يديرها ويشرف عليها الدكتور عزمي بشارة مثل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، معهد الدوحة للدراسات العليا، العربي الجديد، المجلة والتلفزيون، الضفة الثالثة، ومواقع أخرى كثيرة. ومعروف طبعاً أن الدكتور عزمي شخصية مُخْتلف عليها، وتُطرح حوله أسئلة كثيرة من لحظة مغادرته فلسطين واستقراره في الدوحة.
سبق هذا النداء في أوائل شهر أيار دعوة غريبة من رئيس وزراء قطر السابق الشيخ حمد بن جاسم تحمل نفس ما ورد بالنداء، استقالة الرئيس، في حدثٍ منافٍ لكل الأعراف الدبلوماسية والسياسية، مما أثار شكوكاً حول موقف دولة قطر الرسمي، لكن اتصال أمير قطر الشيخ تميم بالرئيس محمود عباس بتاريخ 22/5/2021 وإعلان تأييده والتنسيق المستمر مع القيادة الفلسطينية نفى الاحتمال أن يكون موقف دولة قطر يتساوق مع موقف الشيخ حمد.
جاء هذا النداء والحملة ليطرحا سؤالاً مهماً: هل هو دعم لموقف الشيخ حمد؟ وهل يجرؤ الدكتور عزمي ومن يدور في فلكه على التناقض مع موقف أمير قطر؟ يظل سؤالا برسم الإجابة.
وعودة إلى النداء من "مثقفين وأكاديميين وشخصيات فلسطينية" ومحتواه، لأوضِّح أولاً أن من بين الأسماء من أحترمهم تاريخيا وتربطني بهم علاقات صداقة واحترام، لكني مضطر أن أعلن أنه قد جانبهم الصواب، وأهانوا مئات الآلاف من الشعب الفلسطيني الذين قد يختلفون أحيانا مع قراراتٍ أو ممارساتٍ لقيادة منظمة التحرير، وهذا طبيعي وموجود منذ تأسيس المنظمة، لكنهم ما زالوا يؤمنون بها وبقيادتها، وبفتح وبقية فصائلها، الذين يملكون وحدهم حق المحاسبة وضمن القنوات داخل أطر المنظمة وفتح، ولا يوافقون على ما يشبه الأمر "إقالة أو استقالة الرئيس من كل مواقعه وفورا"، وهو موقف يتقاطع مع رغبات قيادات اليمين الصهيوني وترامب وصهره اللذين قال لهم الرئيس عباس لا وألف لا، والقدس ليست للبيع، وإننا في بلادنا صامدون، وسنسقط صفقة القرن، وقد سقطت فعلا.
إضافة إلى أنها دعوة للفراغ والصراع والاضطراب وتعزيز الانقسام، وغير قابلة في كل الأحوال للتطبيق. والشعب الفلسطيني الذي وحدته مقاومة العدوان على غزة والقدس وأحيائها، الذي نزل أبناؤه إلى ميدان المواجهة في كل نقاط الاشتباك مع المحتل في كامل مساحة فلسطين من النهر إلى البحر، وقدَّم مئات الشهداء والجرحى والمعتقلين، ويتحمل شظف العيش، ويواجه بكل وسائل المقاومة بطش المحتل، لا يتجاوب مع، ولا يوافق على ما يَحرف البوصلة ولا يشيع التفاؤل والأمل في الوحدة، ويثق بمصر وقيادتها، وينتظر نتائج اجتماعات القاهرة التي ستعقد برعاية الرئيس عباس، مما يعني الإجماع على شرعيته التي يريد أصحاب النداء نزعها.
وختاما، أدعو الموقعين على هذا النداء إلى قراءة المتغيرات السريعة وخاصة مصالحة قطر وتركيا مع مصر وموافقة حماس والجهاد الإسلامي على التنسيق المصري القطري الفلسطيني، ومفاوضات أميركا وإيران وغيرها من التطورات، والأهم أدعوهم للكف عن محاولة إحياء ما اسقطه شعبنا من مناورات، والتركيز على وحدة الشعب، فليس أمام الفلسطينيين سوى الوحدة واستمرار النضال، فما حصل معركة في حرب طويلة ستنتهي بالنصر لفلسطين.
إنه نداء مرفوض من "أكاديميين ومثقفين" يعتقدون أنهم يملكون وحدهم ناصية المعرفة، ولا ينتبهون إلى مخاطر الشعبوية في الطرح على المشروع الوطني. إنهم أحصنة تسابق الريح إلى المجهول.