عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 30 أيار 2021

هيجان

الكتابة على الفيس هذه الأيام صارت أصعب من القتال في ميدان المعركة..

جميل عبد النبي-  أتفهم طبيعة اللحظة، فهي لحظة عاطفية بامتياز، كلنا تغمره موجات عاطفية، ولا عيب في ذلك، فنحن في لحظة المواجهة نحتاج فيها على الحقيقة إلى الكثير من العاطفة، ويمكن الزعم أنها تمنحنا الكثير من القدرة على الصمود، وأكثر من ذلك فأنا ممن يزعم أن القرآن الكريم ذاته استخدم لغة التهييج العاطفي لحظة الحاجة إلى المعركة "يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال" ففي لحظة القتال نحتاج لما يثبتنا في المعركة، وليس إلى حوارات في الجدوى، أو أي مما يمكنه أن يثبط من عزائمنا، ولقد قرر الشعب الفلسطيني كله في كل أماكن تواجده أن يقف هذه المرة خلف المقاتلين في الميدان، كل بطريقته، وهذه ربما المرة الأولى التي نشهد فيها هذه الحالة من التلاحم الأسطوري لشعب قرر لحظة المواجهة ألا يلتفت إلا إلى مواجهة عدوه الحقيقي.
هذه حالة عاطفية بامتياز، وهي مما نرجو أن يظل بعضها حاضرا ما بعد العدوان، وأقصد على وجه التحديد الجزء الداعم منها لوحدتنا، ولرفض كل ما من شأنه توسيع الهوة بين مكوناتنا الفلسطينية.
ومع ذلك فدائما هناك تأثير جانبي للهيجان العاطفي، أقله الحيلولة دون حضور العقل، حتى في القضايا التي تمس جوهر القضية، وجوهر الصراع، وفي حالتنا الفلسطينية- وهذه المرة بالذات- هناك حالة من الهيجان ليس فقط تمنع العقل من التفكير الهادئ، إنما تحاول أن تفرض عليه وجهة واحدة، وحيدة للتفكير، إن لم يلتزم بها فهو خائن، عميل، متساقط، وربما يصبح سحقه عملا وطنيا بامتياز..!
سأوافق على أن المجموعة القليلية التي اعتدت على الشيخ محمد حسين لا تمثل جهة بعينها، وأنا بالأساس لست معنيا هنا في هذه المقالة بتأكيد المؤكد حول رفضي وإدانتي لهذا الاعتداء، فلقد أدانه الكثيرون، ولا تتمركز مقالتي حول الحدث، إنما اتخاذه شاهدا على توضيح ما أريد قوله، وأخشى منه.
إن المشكلة ليست في مجرد الاعتداء على الشيخ، فهذا ما يمكنه أن يحدث من الغوغائيين حتى في الدول الديمقراطية، إنما المشكلة في محاولة الكثيرين تبرير هذا الاعتداء بقولهم مرة: إنه مدح الرئيس عباس والسلطة الفلسطينية، ثم قولهم ثانيا بعد أن تبين عدم صدق القول الأول: إن خطبته لم تكن بمستوى الحدث، وأنه صمت عن ذكر غزة، رغم أنه تحدث عن كل فلسطين.
الخطير هنا ليس الاعتداء في ذاته" وهو اعتداء مدان طبعا" الخطير هو الأرضية التي ينطلق منها الاعتداء والتبرير، أو حتى محاولة التخفيف من سوء الحدث، وهي التي تقول صراحة: حتى الصمت غير مسموح به، بل عليك أن تمجد بي، حتى لو كان لك رأي مختلف..!
بمعنى:
لم يعد المحظور وحسب هو أن يكون لك رأي مخالف، بل تعداه إلى حد منع الصمت، مع أن الشيخ أصلا لم يصمت، لكن المسموح به صار طريقا واحدا لا ثاني له: لا تقل إلا ما أريدك أن تقله، أو يجب أن تقول ما أقوله، وإلا فإنك وجهة للإساءة، والاعتداء، والتخوين.
قبل قليل قرأت لأحدهم تعليقا على مقال لي على زوايا: " هذا من مطايا أوسلو يحاول اعتلاء الموجة فاحذروه"..! لا أهتم بشتمي شخصيا من أناس أعرف أن الشتم دينهم، وحتى حينما أبدو وكأنني أشكو من هذه اللغة، فأنا حقيقة لا أشكو متألما على نفس، فأنا لا أتوقع غير ذلك من المغلقين، لكني أشكو متألما على وجود هذا النوع من الثقافة في أوساط شعبنا، ثم رغبة في التنديد والتحذير من هذه الثقافة الإقصائية، التي يريدونها لنا، وهي ليست سوى عبودية أخرى يضيفونها حتى قبل أن تتحرر فلسطين، وأنا أصلا لو خيرتني بين تحرير فلسطين الأرض مقابل استعباد فلسطين الناس، بمعنى فرض لون واحد على كل منهم رغبة، أو رهبة، فأنا لن أختار إلا حرية الناس، حيث لا وطن حرا أهله مستعبدون.
على الجميع أن يدرك أن فلسطين لكل الفلسطينيين، ولا فضل فيها لأحد على أحد، طالما ندفع جميعنا في رأس المال، وجميعنا يضحي بكل ما لديه، حتى حينما لا يختار بنفسه طريق التضحية، ولا أحد أفضل من أحد، ولا حق لأحد في قراءة وتقييم الأحداث دون أحد، وكل من يحاول فرض واقع غير ذلك هو معتد على حق الناس، ووطنيتهم، وملكيتهم في وطن معمد بدمائهم.