الصادقون ينحازون جبرًا الى فلسطين
بقلم: نائل موسى

لعل بين أبرز الإنجازات التي تحققت بفعل الصمود في مواجهة العدوان الإسرائيلي الدموي المتواصل على الشعب الفلسطيني ومحاولة إفشال أهدافه، هو استعادة القضية الفلسطينية وهجها وفرض نفسها مجددا وبزخم على الاجندة الإقليمية والدولية الرسمية والشعبية كقضية ملحة بعد أن أوهم قادة إسرائيل انفسهم وحلفاءهم ان اتفاقات المصالح الهزيلة نقلتها من على الطاولة الى رفوف الاهمال.
لم يحن بعد وقت النزول عن الجبل وحصر الغنائم فهدوء دوي انفجارات العدوان في قطاع غزة لم يوقف رائحة الدم والبارود المتصاعد في القدس وباقي انحاء الضفة والداخل الفلسطيني، لكن الحصاد السياسي هو عتاد وذخيرة لها حسابات ودور ينبغي أخذه بالاعتبار وتعظيمه في المعركة المحتدمة على مختلف الصعد.
التنديد الإقليمي والدولي بالعدوان الإسرائيلي وجرائمه وبالتوازي معه التضامن مع الشعب الفلسطيني انجاز تكمن أهميته اليوم أكثر ليس باتساع نطاقه ومشاركة الملايين فيه على أهميته وحسب، بل وفي انضمام أحزاب ومؤسسات عالمية وقطاعات شعبية وشرائح انخرطت انطلاقا من قيم ومبادئ وضمائر حية تمجد الحق والعدل والحرية وتنتصر لحقوق الانسان وتلفظ الظلم والعنصرية والاحتلال العدوان أكثر من اصطفاف معسكرات واقطاب تقليدية الهوى والتأييد.
فاللوحة التي رسمتها مظاهرات نصرة فلسطين على مدى الأسابيع الماضية وما رافقها من تداعيات وإرهاصات جراء الهجوم المضاد، وخصوصا في ساحات عرفت تقليدا بدعمها لإسرائيل، أظهرت نماذج عظيمة قلبت سحر "معاداة السامية" ذلك المصطلح الفضفاض وسيف ديموقليس الذي تكتم به الصهيونية حتى الانتقاد اللفظي وضريبة الكلام ازاء بغي وعدوان وابرتهايد الاحتلال السافر والمفضوح على الساحر، وحشرته وروايته عاريا في دائرة الحرج. ما يوجب تضافر جهود الجاليات ومؤسسات المجتمع المدني مع الدبلوماسية بفعل منسق ومدروس لتفعيل الاشتباك السياسي ومراكمة الإنجاز وادامته.
تزايد أعداد وشرائح المؤيدين لفلسطين في الشوارع خصوصا في دول طالما اعتبرتها دولة الاحتلال ساحة خلفية لها، بات مصدر قلق له اليوم اذ لم تعد مناطق تأييد مضمونة او محسومة. فلسطينيا يهمنا الى جانب استمالة وحشد الأنصار لتحقيق الغلبة عدديا لكن الانتصار الأهم والأكثر رسوخا وتأثيرا يكمن في الجانب الأخلاقي أيضا حيث أظهرت التطورات ان من يتمسك بالمبدأ والعدل الضمير حول العالم ينحاز جبرا الى فلسطين.
لسنا هنا في مقام خطابة عن أهمية القيم والمبادئ في حياة ومستقبل الشعوب والمجتمعات وحقيقة ان التمسك بها يعكس درجة الرقي والتحضر والحرية فيها، أو دورها في تطور وازدهار وتنظيم الحياة وحفظ الكرامة ومواجهة التخلف بقدر ما نسوقها للوقوف عند حالات فردية سطعت في سياق عام مشرف، عبر حالات منحها ايمانها دفعا أخلاقيا وعمليا على الأرض يتسجل في سفر الإنسانية الرافضة لشريعة الغاب وسننها.
ولعل من بين كثير المواقف والشخصيات المهم الوقف عندها في هذا المقام، هو انسحاب النائبة الفرنسية دانيال أوبونو، على الهواء من بث مباشر على قناة إسرائيلية، وفصل الصحفية الأميركية الشابة يهودية الديانة، إميلي وايلدر، من وكالة أسوشيتد برس، والهجوم الحاد على الشابة أبرار عميش أول أمريكية من أصول ليبية منتخبة في الولايات المتحدة، والتحقيق مع شرطية وشرطي بريطانيين، واعتقال انجليزيا حاول توفير ماء وطعام للمتظاهرين من "حركة فلسطين"، فيما طغت على المشهد قضية عارضة الأزياء العالمية فلسطينية الاصل، بيلا حديد، ودعمها بمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي القضية الفلسطينية ومسارعة النجمة لبنانية الأصل مايا خليفة إلى دخول المعركة.. وغيرها شواهد كثيرة يجمعها قاسم مشترك هو تحريض إسرائيل ولوبيات صهيونية ضدها بتهمة "معاداة السامية" الجاهزة فقط لإسكات دفاع تلك النماذج الشجاعة عن مبادئها وعن حقوق الشعب الفلسطيني وتطلعاته الوطنية المشروعة وجعلها عبرة ردع.
لقد عبرت تلك الشخصيات مثل 4.5 مليار انسان بوسائل شتى عن قناعتها بوضوح انطقه الضمير والمبدأ بكلمات مباشرة خرجت من القلب، فيما يبحث من يقع عليهم الواجب والمسؤولية تجاه الاشقاء من ساسة ودبلوماسيين بين دفتي القاموس السياسي عن مصطلحات مواربة من قبيل العنف في المنطقة او التصعيد والتطورات تارة والإجراءات الإسرائيلية لتحاشي حتى لفظ العدوان يخادعون بها شعوبهم فلسطينية الروح والهوى، او تعفيهم من حرج تحالفات واتفاقات المصالح الشخصية فزادتهم عريا ووهنا.
دانييل أوبونو، النائبة عن حزب "فرنسا الأبية" اليساري استضافتها قناة "i24" الإسرائيلية للتعليق على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة فردت بوضوح: "لم يتم حل المشاكل التاريخية والبنيوية، مصدر العنف والتوتر في غزة والقدس يمتد لما قبل هذه الهجمات".
وأردفت: “إذا لم تحل مشكلة الاستعمار والقدس، ولم يتم تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي بخصوص المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني، فإن التوتر سيستمر".
تلك البديهية اثارت حفيظة المستضيفين ورد أحد الصحفيين الإسرائيليين المشاركين في البرنامج بأبعد من الوقاحة، قائلا مخاطبا الضيفة: "سيكون من المناسب تغيير اسم حزبكم، يجب أن يكون فرنسا الأبية الإسلاموية.. أنتم تمثلون حزبا معاديا للسامية وليس للصهيونية، ولا أخشى قول ذلك".
وكون النائبة الفرنسية تتحدث بلغة المبدأ وليس بلسان المكتسبين الذين تعودت الفضائيات انهم سيتحدثون بكلمات تحفظ باب الرزق، غادرت أوبونو البث المباشر قائلة: "سأغادر البرنامج لا يمكن القبول بهذه الإساءات التي تفوهتم بها، ولن أسمح بالإساءة إلي في هذا البرنامج، ولن أضيع الوقت بالاستماع لمثل هذه الإساءات".
وأردفت وهي تخرج : "أنهوا هذه المسرحية".
صفعة مشابهة تكررت في بلد تمثال الحرية والدفاع المزعوم عن حرية التعبير والصحافة وحقوق الانسان في العالم، حيث لم تكد الصحفية الامريكية الشابة يهودية الديانة إميلي وايلدر تفرح بفرصة العمل في وكالة أسوشيتد برس الأمريكية حتى فصلت بسبب انتقادها ممارسات إسرائيل وتعاطي المؤسسات الإعلامية العالمية مع ما يحدث في حي الشيخ جراح وفلسطين بشكل عام وذلك بعد 16 يومًا فقط من استلامها وظيفتها بسبب تغريدات نشرتها دافعت فيها عن الشعب الفلسطيني.
الشابة كانت عضوًا نشطًا في مجموعتين مؤيدتين للفلسطينيين هما (الصوت اليهودي من أجل السلام) و(طلاب من أجل العدالة في فلسطين) في جامعة ستانفورد، التي تخرجت منها في 2020.
وايلدر انتقدت على تويتر الاحد الماضي تغطية وسائل الإعلام للوضع في فلسطين "تبدو (الموضوعية) متقلبة عندما تنطوي المصطلحات الأساسية التي نستخدمها للإبلاغ عن الأخبار ضمنيًا على ادعاء. فاستخدام (إسرائيل) وليس (فلسطين) أو (الحرب) وليس (الحصار والاحتلال) تعد خيارات سياسية – ومع ذلك تتخذ وسائل الإعلام هذه الخيارات الدقيقة طوال الوقت دون تعريفها باعتبارها منحازة".
وعلى اثرها تعرضت لهجوم باعتبارها "محرضة ضد إسرائيل" وانتقدت أسوشيتد برس لتعيين وايلدر التي استهدفت من قبل جهات صهيونية ووسائل الإعلام اليمينية داخل الولايات المتحدة.
وفي ولاية فرجينيا تعرضت الشابة أبرار عميش أول أميركية من أصول ليبية منتخبة في مجلس إدارة المدارس الحكومية بشمال الولاية الى هجوم عنيف من قبل مؤيدي إسرائيل بسبب نشرها تغريدة في اول ايام عيد الفطر تتضامن فيها مع الفلسطينيين وتعايد عيلهم بكلمات طيبة. ولم يكتف مجلس علاقات اليهود في واشنطن بمهاجمة الشابة واتهامها بالإرهاب والعنصرية بل والغى حفل تكريم كان مقررا لها ما اعتبر ارهابا فكريا لخنق الاصوات الرافضة للاحتلال وجرائمه وسياسته العنصرية.
وفي بلد الحريات نفسه شنت حكومة الاحتلال هجوما شديدا على بيلا حديد، بعد مشاركتها في تظاهرة داعمة للفلسطينيين، ظهرت فيها بالزي والكوفية وهي ترفع العلم الفلسطيني شهدتها مدينة بروكلين الأميركية بنيويورك، واتهمتها بـ"الدعوة إلى القضاء على الدولة اليهودية".
وزعمت الصفحة الرسمية لإسرائيل على تويتر انه "عندما يدعو مشاهير مثل بيلا حديد إلى إلقاء اليهود في البحر، فإنهم يدعون إلى القضاء على الدولة اليهودية" في اطار المزاعم التي تختلقها لفرض الارهاب الفكري وتخويف المناصرين للقضية الفلسطينية".
وشاركت الشقيقة الصغرى لبيلا، جيجي حديد، منشورات على إنستغرام لدعم الفلسطينيين.
وقالت في أحدها "لا يمكنك أن تسمح لنفسك أن تكون غير حساس لمشاهدة حياة الإنسان التي تؤخذ، أنت فقط لا تستطيع ذلك إن حياة الفلسطينيين هي الحياة". وذكرت أن والدها وعائلته "أخرجوا من منازلهم في فلسطين في عام 1948، وأصبحوا لاجئين في سوريا، ثم لبنان، ثم تونس قبل الولايات المتحدة.
وفي بريطانيا اعتقلت الشرطة رجلا أراد إعطاء الماء والطعام للمتظاهرين من "حركة فلسطين"، اوصدوا أبواب شركة إسرائيلية تصنع الطائرات المسيرة ورفعوا العلم الفلسطيني على سطح المبنى، وخطوا على الجدران باللون الأحمر، في إشارة إلى دماء الأبرياء التي أراقتها إسرائيل، في عدوانها الأخير على الشعب الفلسطيني.
وفي مظاهرة أخرى ضمت اكثر من 150 الفا انحنت شرطية بريطانية للمتظاهرين تقديرا وشاركت بوازع ضميري بهتاف "الحرية لفلسطين"، هذا الهتاف الذي درج على لسان الملايين عبر العالم خلال الأيام الماضية، في مشهد وثقته مقاطع مصورة ونال اعجاب وتقدير الملايين لتسارع الشرطة البريطانية بالإعلان عن فتح تحقيق باعتبار أن "ما قامت به الشرطية تعبير عن موقف سياسي، اثر مهاجمتها من قبل صحف "يمينية شعبوية"، وأخرى معروفة بتأييدها لإسرائيل.
كما فتحت تحقيقا مع شرطي مرور ظهر في مقطع فيديو آخر على منصة "تيك توك" وهو يُصوّر المسيرة المؤيدة لفلسطين نفسها، ويطلب من شخص أن يلتقط له صورة معها.
الشرطة التي اعتبرت التعاطف مع مسيرة دعم فلسطين موقفا سياسيا، بدل اعتباره موقفا إنسانيا، لم تحرك ساكنا إزاء عناصر أمن أعلنوا تضامنهم من مسيرات "حياة السود مهمة".. ما يطرح السؤال عن سبب اعتبار التعنت إزاء شعار "الحرية لفلسطين" او اظهار التضامن مع قضيتها؟ سؤال لا ينشغل مريدو فلسطين عادة بالبحث عن اجابة له خاصة عندما يكون المبدأ والوازع والضمير الحي هو المحرك للعمل.
وفي صلب هذا الفهم، ثبتت النائب الفرنسية على المبدأ ولم تتراجع، وانحازت الصحفية الامريكية الى المهنية، ولم تتزحزح، وانحازت الناشطة الأمريكي الى عروبتها فلم تكتم عواطفها ومشاعرها، شهرة والمال والتهديد بضياع المستقبل جذبت بيلا أكثر لأصولها الفلسطينية، ومايا لم ترهبها المعركة ولم يتزعزع ايمان ذلك الرجل الإنجليزي بإنسانيته، ونطقت الشرطية البريطانية لحرية فلسطين بصدق وإخلاص.. فأفصح لسان الجميع عن عشقه لفلسطين القوية اليوم بوحدة أبنائها.