الانتصار على النازية.. الشعوب تقرر مصيرها
مروان اميل طوباسي
اليوم التاسع من أيار تحل علينا الذكرى الـ٧٦ للانتصار على النازية التي دفعت الشعوب الأوروبية، ومنها الشعب اليوناني الصديق ومقاومته الوطنية، ثمنا باهظا من أرواح أبنائها ومقدراتها من أجل دفن هذا الوحش النازي الذي أطل برأسه قبل ثمانين عاما من الزمن لمعاداة الشعوب وعجلة تطورها الطبيعي.
واليوم وهي تنتفض القدس عاصمة دولتنا التي تشكل عنصر إجماع ووحدة للكل الفلسطيني، بل ولشعوب عدة وأحرار العالم من الأصدقاء، وساحة صدام ومقاومة شعبية مع الاحتلال وكل رموزه، تحتم تطوير أشكال فضح ومقاومة جرائم قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين وتنظيماتهم الإرهابية الذين يعملون بإسناد من الحكومة الإسرائيلية الفاشية، وربط ذلك مع هذا اليوم من ذكرى الانتصار على النازية، والتحرك مع كل شعوب العالم وقواه الديمقراطية لحماية القدس ومن أجل دحر الاحتلال وتحقيق حرية شعبنا واستقلاله الوطني وفق رؤية واستكمال مسيرة كفاح منظمة التحرير الفلسطينية وتحقيق ثوابتها التي تشكل إجماعا وطنيا.
فمن الدروس المستفادة من هذا الانتصار على النازية ومن الحرب العالمية الثانية ونتائجها إدراك حقيقة غير قابلة للنقاش، وهي أن تحديد مصير العالم في المرحلة المعاصرة لتطور البشرية هي مسؤولية مشتركة ذات طابع عام لا يتجزأ، اليوم كل الشعوب تتحمل المسؤولية أمام جيل المستقبل للمحافظة على نظام دولي متوازن يقوم على أساس المبادئ والقيم التي وضعتها الشعوب المنتصرة في الحرب العالمية الثانية ضد النازية التي من أهمها قيم ومبادئ الحرية والديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها وفي اختيار مسار تطورها المستقل وعلى ضرورة العمل من أجل تعزيز الثقة المتبادلة بين الشعوب على قاعدة المساواة بينها والبحث المشترك للآفاق المستقبلية للبشرية جمعاء التي يجب أن تكون أفضل.
هذه القيم بالرغم من خروج بعض القوى عنها ومنها الولايات المتحدة الأميركية التي خلقت سياسة الحروب اللاحقة باوجه مختلفة، تلك القيم التي كان من المفترض أن تشكل الهيكل الأخلاقي والسياسي للنظام العالمي المعاصر التي ثبتت في ميثاق منظمة الأمم المتحدة التي تشكلت كأحد النتائج المهمة للحرب العالمية الثانية، وفي تأسيس هذه المنظمة الدولية التي تدعو لتوحيد جهود البشرية لضمان السلم والأمن الدوليين والتصدي للتهديدات الدولية وتتضمن جوابا نهائيا وأساسيا لكل الشعوب المحبة للسلام برفض آيديولوجيا النازية والفاشية وأي نظرية معادية للبشرية وقيم ومبادئ الانسانية، وفي مقدمتها الحركة الصهيونية التي أدانتها الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل تراجعها لاحقا عن قرار مساوتها بالعنصرية لظروف المتغيرات الدولية في حينه وأسباب أخرى.
إن ما تقوم به قوى اليمين الشعبوي اليوم وحلفاؤها وفي مقدمتهم دولة الاحتلال الاسرائيلي يستند إلى الارتداد عن تلك النتائج وإلى مرتكزات فكرية تعبر عن روح نازية وفاشية جديدة تقوم على أسس العنصرية والتطرف القومي الديني وفق مفاهيم مزعومة تساندها قوى رأسمالية صهيونية تسعى لما حاولت أن تسعى له قبل ٧٦ عاما النازية الالمانية وحلفاؤها من موسيليني وفرانكو وغيرهم لاضطهاد الشعوب التي لا تنبع من عرقهم المزعوم، محاولات لاضطهاد شعوب جديدة ولتطهير عرقي واستمرار فرض نكبة مستمرة على شعبنا الفلسطيني التي تحل علينا ذكرى بداياتها كجريمة ضد الانسانية قبل ٧٣ عاما بعد أيام قليلة، التي هدفت من أجل تنفيذ مشروع استعماري عنصري على أرض نحن الفلسطينيين أصحابها، أرض ليست لهم، لم يأت بها أحد من هؤلاء المستوطنين من الدول التي تركوها في إطار مؤامرتهم مع النازية في حينه.
و بعد ٧٦ عاما ما زالت قوى جديدة تمارس سياسات الهيمنة في هذا العالم لفرض نظام أحادي القطب لا يخدم مبادئ السلم والأمن الدوليين وتساهم من خلال صمتها على جرائم الاحتلال بتشجيع استمرار ارتكابها وتعزيز مفهوم دولة الاحتلال كنظام فوق القانون الدولي كنظام عنصري معاصر، أن عدم محاسبة هذا النظام يكرس وجود معايير متفاوتة تكال بأكثر من مكيال أمام المجتمع الدولي ومنها الاتحاد الأوروبي الذي يكتفي بالإدانة اللفظية فقط ومحاولات مساواة الضحية بالجلاد في أحيان كثيرة، ما يناقض أصلا أسس ومبادئ نشوء الاتحاد الأوروبي نفسه بعدم محاسبة وعقاب دولة الاحتلال وفق المواثيق الأممية، رغم افتضاح أمر جرائم دولة الاحتلال بالمنظمات الدولية وتأكيد معظم دول الاتحاد الأوروبي لإدانتها والتصويت لصالح قضايا شعبنا، أن هذه الدول لا تستطيع رغم ما ذكرته من تحمل عبء الوقوف إلى جانب هذا النظام العنصري أمام شعوبها.
إن الدروس والعبر من الحرب العالمية الثانية التي كلفت شعوب الاتحاد السوفييتي السابق وحده آنذاك ما يقارب ٣٠ مليون إنسان قاتلون بإيمان من أجل الدفاع عن الوطن ودحر النازية، وكلفت البشرية ومنها الشعب اليوناني ومقاومته الوطنية عموما ملايين إضافية من البشر، تؤشر على ضرورة توقف هذه الحروب الصغيرة والكبيرة ضد شعوب الأرض، وأن تتوقف سلطة رأس المال السياسي المتوحش من محاولات تكرار التاريخ أينما كان ومن إنتاج أسلحة الدمار الشامل وإثارة بؤر التوتر على حساب قضايا الشعوب المقهورة، وأن تفكر البشرية بتعزيز قوى البناء وتعزيز منظمات السلم في العالم بدل ممارسة الاضطهاد بحق شعوب أخرى والاعتداء على سيادة أراضيها والتدخل في شؤونها وممارسة الاحتلال والعنصرية.
من الضرورة أن تفكر البشرية اليوم وأكثر من أي وقت مضى بالبيئة وقضايا المناخ والاقتصاد التنموي والعدالة الاجتماعية وببناء المدارس والجامعات والمستشفيات وتطوير الصحة الوقائية خاصة مع ما تعاني منه البشرية الآن من تفشي جائحة الوباء التي باستمرارها حتى اليوم فقدت البشرية ملايين بين ضحايا ومصابين بهذا العدو القاتل غير المرئي ومازالت البشرية تخسر يوميا على أثر استمراره مع بروز أشكال التنافس الاحتكاري الجشع في تصنيع وبيع اللقاح دون مساواة وعدالة.
إن غدا لن يكون كما قبله وعلى شعوب الأرض أن تكافح من أجل انتصار قضايا الإنسانية وقيمها في هذا الكون من أجل بناء عالم جديد يكون أفضل مما كان أو مما هو عليه الآن ومن أجل قبر مشعلي الحروب وأعداء الإنسانية، فمن دروس الانتصار على النازية بعد ٧٦ عاما ما يؤكد على عدم استطاعة أي قوة مهما بلغ جبروتها أن تقهر مصير ومصالح الشعوب وأن الشعوب والقدس حتما لمنتصرة.
وأكرر هنا ما قاله شاعرنا الراحل محمود درويش:
كل نهر وله نبع ومجرى وحياة، يا صديقي، أرضنا ليست بعاقر، كل أرض ولها ميلادها.. كل فجر وله موعد ثائر.