عقدة زوجتي يفكها رمضان
سما حسن
تعيش زوجتي مأساة حقيقية لأنها مصابة بعقدة عارضة الأزياء فهي تريد لقوامها أن يكون مثلهن، وعلى ذلك فهي تقوم بأعمال حولتها إلى كائن غريب غير اجتماعي، فهي أولا تحرص على ارتداء الأحزمة التي تنتشر اعلاناتها على القنوات التجارية تحديدا وأعلم أن هذه الأحزمة والمشدات لا تنقص وزنهاـ ولكنها تسبب لها الضيق وعدم المقدرة على الحركة والتقيد بلباس واحد معتقدة أنه يخفي بتصميمه عيوب جسدها وتوحي لنا أنها تشعر بالراحة مع هذه الأشياء التي تكتم على أنفاسها وتتصنع خفة الحركة ولكنها في الحقيقة تعاني بسبب ما يحيط بجسمها من أسفل قفصها الصدري وحتى ركبتها، فهي ترتدي هذا الضاغط الذي يضغط حياتها ويجعلها تنظر إلى المرآة باستمرار لتتأكد أنها بسببه قد حصلت على قوام عارضة أزياء، وتتمشى به أمامها وتعيش في عالمها مبتعدة عن مشاركتي والأولاد أي وجبة على المائدة لكي لا تضعف أمام الطعام الذي تعده وتكتفي بأنواع من الطعام لا تختلف عن الأدوية، وتؤكد أنها سعيدة حتى بوحدتها وعدم تلبيتها لدعوات الاقارب والأصدقاء، بل انها لا تشارك بأي نشاط اجتماعي، ولا تقبل على أي حفل زفاف لكي لا تضعف أمام البوفيه المفتوح فيه، وتصاب بالعصبية حين ترى الموائد العامرة وتتركها لتركض خلف محال التدليك والتخسيس وتقضي وقتها في النادي الرياضي مع البدينات اللواتي لا يرجى شفاؤهن وترى أنها مثلهن فتمارس الرياضة العنيفة وتنزوي بهما بعيدا عن حياتنا الهادئة وهي لا تريد أن تصدق أني أحب روحها ورقتها وحنانها مهما كان شكل قوامها.
حين يقبل رمضان تتحرر زوجتي من عقدتها فتفك الحزام وترمي المشد، وتخاصم النوادي ومحال التدليك وترتدي "جلابية" واسعة فضفاضة فتخرج الكلمات من فمها واضحة دون معاناة، وتصبح حروفها خالية من البتر، وتعد الولائم وتدعو الأقارب والأصدقاء وتجلس في رأس المائدة توزع الضحكات وتغرف الطعام في الأطباق وتأكل بيديها ما تشتهيه عيناها، والأكثر سعادة من هذا كله أنها تنزل السوق وتشتري كل ما حرمتنا منه طول العام وتتصل بصديقاتها وتتعلم منهن وصفات جديدة وتنسى حساب السعرات الحرارية وهي تعد الحلوى التي تقطر بالكراميل، ولا تتذكر الميزان وهي تعد لنا أفخاذ الدجاج بصوص الصويا وتغرفها بيديها من وعاء التقديم وتمصمص أصابعها دون أن تبدي قرفها أو تأففها، وفوق هذا كله فهي تستلقي أمام شاشة التلفاز تتابع المسلسلات العربية معنا وتضحك مع ضحكاتنا وتؤدي فروضها كاملة وتخرج لزيارة الفقراء والمحتاجين وتوزع عليهم سلات غذائية أعدتها بنفسها.
فرحتي أنا وأولادي بزوجتي لا توصف ونخشى أن ينتهي شهر رمضان وتعود زوجتي إلى سجن عارضات الأزياء وتخرج من دنيا الناس العادين, ليتها تعلم أن جلوسها أمامي على المائدة وتقطيعها لفخذ الدجاج بيديها ونزول المرق على شرشف الطاولة يجعلني أراها ملكة جمال الكون.