الشهيد محمود أبو فنونة.. رحل قبل وداع أبيه
الخليل- الحياة الجديدة- أمل دويكات- لأب تجرع مرارة الأسر وذاق بأس المعتقلات لسنوات، ولد محمود محمد أحمد أبو فنونة في مدينة الخليل عام 1995، ليرتقي فوق أرضها شهيداً عام 2016.
ليس حنوناً فقط، بل يعبّر عن ذلك ويفصح أكثر من أي فرد آخر في أسرته، وهذا ما تتذكره أم الشهيد جيداً حين سُئلت عنه، فهو يحب أن يشارك والدته في كل شيء حتى لو كان هذا الشيء "وعكة صحية". وتقول أم أحمد في حديثها مع "الحياة الجديدة" إن محمود كان شاباً يحب الجميع ويحبه الجميع، يبحث عن ما يسر قلب أمه وإخوته ليدخل البسمة على قلوب الجميع.
وغياب والد محمود فترات طويلة ومرات عديدة في الأسر، جعل محمود وإخوته يتجرعون مرارة الفقد، وبالتالي كانوا يسعون جاهدين ليتحملوا المسؤولية في غيابه، إذ ترك محمود الدراسة قبل أن يتم المرحلة الثانوية، وانخرط في العمل ليلبي وإخوته متطلبات المنزل ومعيشة ساكنيه.
يوم استشهاده، ذهب محمود إلى عمله وعاد مبكراً، استحم وارتدى ثياباً أنيقة، وكان من عادته دائماً أن يمازح أمه ويشاكسها كثيراً كلما استحم "يلا بوسيني بعد ما حلقت"، وهذه المرة كانت مشاكساته بمثابة الوداع الأخير لوالدته، كما تحب هي أن تصف ذلك.
سأل محمود والدته "شو بدك تسويلنا غدا اليوم؟" فأجابت "مثل ما بتحب" فكان رده "ما تحسبوا حسابي، معزوم عند معلمي في الشغل". ذهب للصلاة وأحضر لوازم الغداء للبيت، ثم غادر ولم يتسنَّ لوالدته رؤيته، فتحت أم أحمد جهاز هاتفها لمتابعة الأخبار، وقالت إنها لم تشاهد شيئاً وردّدت "الحمد لله" أنه لا توجد أخبار سيئة في هذا اليوم.
"وبعد قليل صعدت إلى منزل أختي (خالة الشهيد) وهناك وصلها هاتفياً خبر استشهاد محمود" حينها لم تقل الأم سوى "الحمد لله" وذهبت مسرعة لمتابعة الأخبار فوجدت أن الصورة المستخدمة حينها لم تكن صورة محمود فـأعاد ذلك إليها الشعور بقليل من الأمل، وقالت "يا رب ما يطلع هو". لكن ابن أختها أطلعها على مقطع فيديو فوجدت أنه ابنها حقاً، والمكان هو حاجز تجمع "غوش عتصيون" الاستيطاني في شمال الخليل.
رددت الأم "اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها" وبعد وقت قصير وصلت قوة من جيش الاحتلال إلى المنزل وباشرت التحقيق مع ساكنيه، وحينئذ أخبر ضابط الاحتلال الأم بتأكيد استشهاد ابنها طالباً منها التعليق على الأمر، فرددت ثانيةً "الحمد لله".
وأثناء مغادرتها، أمطرت قوة جيش الاحتلال المنزل بوابل من قنابل الغاز المسيل للدموع مما أدى إلى إصابة أفراد الأسرة بالاختناق.
تلاحقت الأحداث ولم تستوعبها الأم لدرجة أن كثيرين لحقوا بالمستشفى لوداع الشهيد محمود بينما الأم لم تزل غير قادرة على الوصول إلى حيث يسجى جسد ابنها، ووالده غير موجود هناك أيضا لأنه يقبع في سجون الاحتلال منذ ستة أشهر في اعتقال إداري يتم تجديده للمرة الثانية، وهذا أكثر ما حاك في نفسها وأثر في مشاعرها.
لطالما كان محمود يتمنى قرب والده، ومشاركته زوجته وأبناءه لحظاتهم السعيدة والحزينة كما أي أسرة أخرى، وأثّر غياب الأب في نفس محمود وإخوته في كل المناسبات "يما ليش دار عمي أبوهم عندهم واحنا لا؟"
والد محمود تعرض للأسر مرات عديدة وغاب عن بيته وأولاده سنوات طويلة في وقت كان الأبناء يحتاجون فيه والدهم كثيراً، "شاهدنا ابننا وودعناه حين استشهد لكن كان الله في عون والده على ذلك الغياب" هكذا تعلق أم أحمد والدة الشهيد.
"محمود كان يحب المساعدة، يساعدني في غسل الصحون، يساعد إخوته وأخته، وحتى يساعد الجيران، ويعرفه جيداً أبناء الحي الصغار.. يعطي الآخرين ولا يسأل كم أعطى".
وتقول "افتقده أناس لم نكن نعرفهم، أحدهم طفل جاء مرة بعد استشهاد محمود وقال لي "إذا شفتي محمود في الحلم سلميلي عليه".
وأنهت الأم حديثها برسالة لرجال الصحافة والمصورين، فقالت "رجاء حار للصحافة نرجوكم دعونا نودع أبناءنا دون تصوير وبعيداً عن فضول الكاميرات.. حين ودعنا محمود كان المصورون يقفزون بكاميراتهم فوق رؤوسنا، ولم نتمكن من وداعه كما نريد ولم نشبع من رؤيته".
مواضيع ذات صلة
دوما.. حياة على حافة الخطر
الأغوار تودع حارسها...
الأمين العام المساعد، رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، السفير مصطفى لـ"الحياة الجديدة": القضية الفلسطينية لم تعد ملفًا مؤجّلًا، بل اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي
يوم الصناديق في جنين
تحت قيود الاحتلال.. 70 ألف مصلٍ يحيون جمعة الأقصى
حين يقتحم إرهاب المستوطنين البيوت... صورة ليلة لا تنسى في بيت إمرين