عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 29 نيسان 2026

دوما.. حياة على حافة الخطر

نابلس- الحياة الجديدة- عزيزة ظاهر- في بلدة دوما، يبدأ الصباح بخطوات حذرة نحو الحقول، وبعيون تراقب التلال خشية طارئ جديد، هنا، في القرية الجاثمة جنوب نابلس، لا تبدو الحياة مجرد تفاصيل يومية عابرة، بل معركة صامتة على البقاء، يخوضها الأهالي بين زيتونة مهددة، وبيت يخشى أصحابه الليل، وطريق تتربص به اعتداءات المستوطنين.

دوما، التي خبرت الوجع منذ سنوات، ما زالت تستيقظ كل يوم لتكتب رواية جديدة من الصمود، رغم ما يحيط بها من بؤر استيطانية تضيق الخناق على أهلها وأرضها.

تعيش البلدة المحاطة بعدد من المستوطنات والبؤر الاستيطانية مثل "معاليه إفرايم"، و"مجدوليم"، و"شفوت راحيل"، "شيلو" و"إيلي" إضافة إلى بؤر رعوية استيطانية، واقعاً يومياً مثقلاً بالتوتر، فالأرض التي تشكل مصدر رزق مئات العائلات، تحولت في السنوات الأخيرة إلى مساحة مواجهة مفتوحة مع اعتداءات المستوطنين المتكررة.

المزارعون هنا لا يذهبون إلى أراضيهم كما يذهب الناس إلى أعمالهم، بل كما يذهب المرء إلى اختبار يومي مجهول النتائج، الوصول إلى الحقول بات محفوفاً بالمخاطر، ورعاية الأغنام في المراعي المحاذية للبؤر الاستيطانية أصبحت فعلاً من أفعال الصمود.

المزارع أبو أحمد دوابشة، الستيني الذي ورث الأرض عن أبيه وجده، يقول وهو يتفقد أشجار الزيتون في أرضه القريبة من مناطق التماس: "صرنا نذهب إلى الأرض وكأننا نودع أرواحنا، لا نعرف ماذا ينتظرنا هناك، لكن ترك الأرض يعني خسارتها".

يروي أبو أحمد لـ "الحياة الجديدة"، كيف تبدلت حياة المزارعين في دوما، فالمواسم لم تعد كما كانت، فقبل يومين هاجم المستوطنون أراضي المزارعين وسرقوا محاصيل حصادهم، فالوصول إلى بعض الأراضي صار محفوفاً بالمخاطر، فيما أصبح الاعتداء على الأشجار، ورعي مواشي المستوطنين في مراعي القرية جزءاً من مشهد يومي يثقل حياة الناس، ويضيف بحزن، "حين ترى النار تقترب من الشجر تشعر وكأنها تصل إلى قلبك.

 

اعتداءات متواصلة

قبل أيام قليلة عاش أهالي دوما ساعات عصيبة يقول سليمان دوابشة رئيس مجلس قروي دوما، حين اقتحم مستوطنون القرية، وهاجموا منازل وممتلكات المواطنين، وأشعلوا النيران في منزل محمود دوابشة في الجهة الشمالية الغربية، وفي اعتداء آخر تمت مداهمة منازل المواطنين عبد الدايم وباسم وهمام دوابشة، وتكسير وتخريب محتوياتها تحت حماية ومساندة جيش الاحتلال.

وقبل نحو شهر أقدم قطعان المستوطنين على محاولة إحراق أحد مساجد البلدة، حيث قاموا بإضرام النار وكتابة شعارات وخطّ عبارات عنصرية على جدران المسجد، وقد تمكّن الأهالي من السيطرة على الحريق وإخماده قبل أن يمتد ويؤدي إلى احتراق المسجد بشكل كامل، ما حال دون وقوع أضرار أكبر، واعتدوا على مركبات وممتلكات خاصة، في مشهد أعاد للأذهان ذاكرة الاعتداءات المتكررة التي لم تتوقف.

ويؤكد دوابشة لـ "الحياة الجديدة" أن هذه الاعتداءات المتكررة لم تكن عابرة، بل رسالة تهديد جديدة لأهالي القرية، الذين وجدوا أنفسهم مجدداً أمام مشهد الخوف القديم، لكن أهل القرية متمسكون بأرضهم، ولن يتركوا حقولهم مهما اشتدت الضغوط، وما يجري ليس حوادث منفصلة، بل سياسة تضييق ممنهجة، ومع ذلك دوما باقية وصامدة.

 

قلق وخوف

في القرية، لا يقتصر أثر الاعتداءات على المزارعين، بل يمتد إلى الأطفال الذين يعيشون تفاصيل القلق اليومي، بعضهم صار يميز أصوات الخطر، وبعضهم يسأل عن سبب اقتراب المستوطنين من البيوت، فيما تحاول العائلات حماية أبنائها من قسوة المشهد.

ومع ذلك، يذهب الأطفال إلى مدارسهم، ويلعبون في ساحات بيوتهم، ويرسمون حياة تشبه ما يحلم به الأطفال في أي مكان، وكأنهم، بطريقتهم الخاصة، يواجهون الخوف بالاعتياد عليه.

ما يلفت في دوما أن الصمود هناك ليس شعاراً يرفع، بل ممارسة يومية، في بقاء المزارع في أرضه، وفي فتح الدكان صباحاً رغم القلق، وفي أم تعدّ الخبز لأبنائها كأن شيئاً لم يكن، وفي شيخ يصر على تفقد زيتونه كل صباح، هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يبقي القرية حيّة رغم محاولات إنهاكها.