عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 تشرين الأول 2026

لجنة تقصي الحقائق الدولية.. هل تنجح أوروبا في الانتقال من الإدانة إلى المحاسبة؟

د. باسم التميمي

 

تأتي زيارة اللجنة الأوروبية والدولية المشتركة لتقصي الحقائق إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة في توقيت بالغ الحساسية والتعقيد، وسط بيئة سياسية وميدانية هي الأكثر تفجرًا منذ عقود. ويتسم المشهد الراهن بانسداد كامل في الأفق السياسي، وتصاعد غير مسبوق في وتيرة الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية، وتغوّل الاستيطان في الضفة الغربية، بالتوازي مع أزمة إنسانية كارثية وتدمير واسع النطاق لبنى الحياة الأساسية.

على المستوى الدبلوماسي، تتزامن الزيارة مع تنامي الضغوط الشعبية والقانونية داخل القارة الأوروبية، وظهور انقسام أو تباين في مواقف عواصمها؛ إذ يقود معسكر يضم إسبانيا وأيرلندا وبلجيكا والنرويج توجهًا يدعو إلى تبني خطوات عملية وأكثر حزمًا لمحاسبة الاحتلال على انتهاكاته، في مقابل مواقف أكثر تحفظًا من دول أخرى. كما تأتي هذه الزيارة في ظل اشتداد الحصار المالي المفروض على السلطة الوطنية الفلسطينية، جراء استمرار احتجاز أموال المقاصة، مما يضع المؤسسات الفلسطينية أمام تحدي البقاء، ويجعل من هذه الزيارة اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة المجتمع الدولي على الانتقال من مربع «الإدانة الشفهية» إلى مربع "الإجراءات الملموسة".

إن توقيت وصول اللجنة الدولية يحمل دلالات استراتيجية مهمة لجميع الأطراف، وفي مقدمتها تقديم "رسالة إسناد دولي" تمثل محاولة جادة لتقويض المحاولات الإسرائيلية الرامية إلى عزل الأراضي الفلسطينية جغرافيًا وسياسيًا عن العالم، ومنع الاستفراد بالشعب الفلسطيني بعيدًا عن الرقابة الدولية. إذ يعيد حضور اللجنة الدولية ربط الواقع الميداني بالمنظومة الأممية مباشرة، ويجعل من المعاناة اليومية حدثًا حاضرًا في المشهد الدبلوماسي العالمي. كما يحمل هذا الحضور رسالة تحذيرية حازمة إلى الدول الكبرى، مفادها أن الأوضاع الإنسانية والأمنية قد بلغت حدًا خطيرًا لا يمكن التغاضي عنه أو إرجاء التعامل معه.

وإضافة إلى ذلك، يسعى هذا التحرك إلى استباق المآلات القانونية، إذ يأتي في وقت يشهد فيه المسار القانوني الدولي نشاطًا مكثفًا أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، مما يمنح التقارير الميدانية وزنًا توثيقيًا مضاعفًا. وعلاوة على البعد الخارجي، يتزامن وصول اللجنة الأوروبية والدولية مع حراك فلسطيني داخلي مكثف لإعادة ترتيب البيت السياسي، وبحث ملف الانتخابات العامة والاستعدادات اللوجستية والسياسية المقترحة لعام 2027، الأمر الذي يربط ربطًا عضويًا بين استقرار الأوضاع الميدانية وإمكانية تحقيق التحول الديمقراطي مستقبلًا.

وتتركز اختصاصات هذه اللجنة الأوروبية والدولية المشتركة على مهام فنية وحقوقية محددة، تهدف إلى بناء قاعدة بيانات وتوثيق موضوعي يشملان رصد الآثار الناجمة عن التصعيد العسكري المستمر وبحثها، وتحديدًا ما يتعلق باستهداف المدنيين والمنشآت الصحية والتعليمية والبنى التحتية. وإضافة إلى ذلك، تُعنى اللجنة بتقصي حقائق التوسع الاستيطاني من خلال معاينة بؤر التوتر الميداني الناجمة عن تصاعد اعتداءات المستعمرين في قرى وبلدات الضفة الغربية، والتحقق من أوامر الإخلاء القسري وهدم المنازل وسياسات التهجير الصامت. كما تسعى اللجنة إلى تقييم الواقع الاقتصادي والخدمي عبر دراسة أثر الحصار المالي والاقتصادي الشامل، والقيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع، وقياس مدى تأثير احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية على قدرة الحكومة والمؤسسات الوطنية على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

وتكمن الأهمية القصوى لعمل اللجنة الأوروبية والدولية في قدرتها على توفير أداة ضغط سياسي وقانوني تستند إلى المعاينة المباشرة، لا إلى تقارير تُصاغ عن بُعد. وعلى الصعيد الدولي، تُسهم هذه التقارير في إحراج الأطراف المتساوقة مع الانتهاكات، وتوفر المستند القانوني والسياسي للدول الصديقة داخل الاتحاد الأوروبي للمضي قدمًا في اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا، مثل توسيع قوائم العقوبات المفروضة على المستوطنين المتطرفين وقادتهم وتعميقها، أو الدفع باتجاه مراجعة الاتفاقيات التجارية والاقتصادية المشتركة مع القوة القائمة بالاحتلال.

وفي هذا السياق، بات واضحًا أن لجنة تقصي الحقائق الدولية تتمتع بفرص للنجاح، وإن كانت مشروطة؛ إذ تتوقف فاعليتها على مدى قدرة المعسكر الأوروبي الداعم على تحويل مخرجاتها الميدانية إلى قرارات سياسية ملزمة تتجاوز تحفظات بعض الدول. ومن المتوقع إجرائيًا أن تسفر هذه الجهود الموثقة عن توسيع نطاق العقوبات الأوروبية الفردية ضد قادة الاستيطان، وممارسة ضغوط عبر آليات مالية حازمة للإفراج عن أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة، الأمر الذي من شأنه أن يسهم في تعزيز الموقف الفلسطيني، ويدعم صمود مؤسساته الوطنية في مواجهة سياسات الخنق المالي الممنهج.