لماذا لا نفوز بجائزة نوبل؟
تغريدة الصباح- حسن حميد

أجل،
في كل عام، وفي شهر تشرين الأول، ينتظر أهل الثقافة والآداب، مثل غيرهم من أهل الاهتمام والاختصاص، جوائز نوبل، وسؤالهم هو: لمن ستُمنح هذا العام؟ لأنها جوائز مهمة، بعدما غدت أكثر من مناسبة أو موسم؛ إنها ظاهرة تتجلى في طياتها معاني التبجيل والتكريم والمكافأة. والأمر لا يقتصر على أسماء الفائزين، بل تعدّى ذلك إلى ترجمة أعمالهم إلى مختلف لغات العالم، وبذلك تصير الأسماء الفائزة فائزة أيضًا بالشهرة والحظوة والانتشار، وهذا مجد لا يستحوذ عليه سوى أهل العزم.
ونحن، مع خلق الله تعالى، ننتظر هذا الموسم لنعرف، مثل غيرنا، لمن أُسندت جائزة نوبل في هذا العام، ومن حظي بها، لعلنا نرتطم ارتطامًا باسم عربي، شالت به همم المحظوظية، ففاز! ولكن انتظارنا، في كل سنة، هو انتظار ذلك الصياد الذي ذهب إلى صحراء، ظنًّا منه أنها غابة، وقال: «مرحبًا أيها الصيد!» وهو لو انتظر سنوات الدنيا كلها، فلن يصطاد شيئًا، ولو نسمة هواء باردة! ذلك لأننا لم نعرف طبيعة جائزة نوبل، ولا معاييرها، ولا أهدافها الخفية والظاهرة، ولم نُعِدّ لها ما يجب إعداده، فظلّت هي في مكانها، وظللنا في مكاننا!
منذ عام 1988، أي قبل نحو أربعين سنة، حين فاز نجيب محفوظ بالجائزة تقديرًا لأدبه معنى ومبنى وغنى، ونحن نراهن على أن اسمًا ثانيًا سيلحق به، متوّجًا بجائزة نوبل. لكن الرهان، في كليته، غير مدروس، وغير مُعَرَّب، وغير حقيقي. فنحن، وحتى هذه الساعة، لم ندرس بوعي وفطنة، ولم ندرك يقينًا، لماذا فاز نجيب محفوظ بالجائزة، ولسنا على دراية بما نقوم به، وذلك لأسباب كثيرة، لكن أهمها أنه ليس بالضرورة أن يكون الكاتب العربي المشهور في بلادنا موضع اهتمام أهل نوبل؛ لأن آداب الدنيا كلها تُقرأ بلغات ليست اللغة العربية من بينها. أي إن الذين يقرؤون لاختيار الفائز بجائزة نوبل لا يقرؤون أدبًا مكتوبًا باللغة العربية، وهذا يحتم ضرورة ترجمة الآداب العربية إلى اللغات العالمية المعروفة، ومن دون هذه الترجمة لا أمل يُرتجى، ولا سبيل إلى فرح القلب.
هذا الشرط، شرط الترجمة، هو لبّ الأمر وجوهره؛ إذ كيف يقرأ الغربي الأدب العربي وهو غير مترجم إلى لغات عالمية؟ بل كيف يمرّ هذا الأدب بمراحل عمل لجان جائزة نوبل، ومنها الترجيحات، أي ترجيح اسم على اسم، ثم الغربلة، أي الاختيار، ثم التفضيل والمفاضلة بين جهة عربية وأخرى، ثم الحسابات الخاصة بالنزعة الإنسانية، لأنهم يريدون أدبًا عالميًا يهم العالم كله؟ ومن ثم تأتي التصفية النهائية لاختيار اسم واحد أو اثنين من اللغة العربية، بعد إخضاع الاسم وتجربته لمعايير الجائزة الخفية والظاهرة. ثم نصل إلى مرحلة الترشيح، ولا تنتهي الأمور هنا، بل يُنظر في أسماء من رشّحوا هذا الاسم أو ذاك، وتُقرأ مقاصدهم وتوجّهاتهم، ويُوقَف على ما يسمونه «مسوّغات» الترشيح. وبعد كل هذا، يتفضّل الإعلاميون في جائزة نوبل بتسريب خبر ترشيح الاسم.
طيب، إذا كنا نجهل كل هذا، أفرادًا ومؤسسات، فلماذا نصدع رؤوسنا في كل سنة بسبب مواسم جائزة نوبل؟ ولماذا نريق الحبر، وننشر الآراء، ونتداول أسماءً لها شهرتها في الأدب العربي، لكنها غير معروفة، بل مجهولة تمامًا، لدى قرّاء اللغات العالمية؟ ثم لماذا لا نبدأ بالعمل الحقيقي، الذي يحتاج إلى عشر سنوات على الأقل، وربما أكثر، لكي تكون لنا أسماء أدبية، وغير أدبية، مرشّحة لنيل جائزة نوبل؟ أي إن علينا أن نبدأ بالترجمة! فمن دون الترجمة، بوجهيها (من وإلى)، لن نكون مشاركين في المواسم العالمية المعروفة كلها، وليس في مجال جائزة نوبل وحدها. نحن نحتاج إلى مدارس تعلّمنا أهمية الترجمة؛ لأن الترجمة ليست مثاقفة وحسب، بل هي مشاركة في الحياة، والهموم، والقيم، والإبداع، والأحلام، لأصغر جزيرة أو غابة أو صحراء في العالم! نحن، ومنذ سنين، نقبع في عالم اسمه عالم الانتظار! ننتظر «غودو»، ونحن نعرف أنه وهم، ولن يأتي، ولو على صورة وهم! علينا أن نخرب نسيج عالم الانتظار، وأن نعمل بجدية في مجال الترجمة؛ لأن الذين يترجمون لنا يترجمون حسب ذائقتهم، وثقافتهم، ورغباتهم، وأهوائهم، وهذه ترجمة غير مفيدة ومظنون بها. علينا نحن أن نترجم أدبنا، وثقافتنا، ومعارفنا بأيدينا؛ لأننا نحن الذين نعرف جمالها وغناها. الروس فعلوا هذا، وكذلك الألمان والأمريكيون والإنكليز والإسبان والطليان؛ لقد ترجموا آدابهم بأيديهم، وأنفقوا الأموال الطائلة من أجل أن تصير آدابهم حاضرة بلغات البلدان المؤثرة في العالم. فالإنكليز ترجموا آدابهم إلى الفرنسية، والفرنسيون ترجموا آدابهم إلى الإنكليزية، ومثلهم فعل الألمان والإسبان والأمريكيون والطليان. وهذا أمر معروف منذ مئات السنين. وقد عرف الفرنسيون رواية «آلام فارتر» لغوته بلغتهم بعد شهور من طباعتها في ألمانيا، وانتحر بعض الفرنسيين حبًّا بـ«فارتر» قبل أن ينتحر شباب ألمانيا.
إذًا، متى ندرك هذا، ومتى نعيه، ومتى نُعِدّ له؟ لقد ترجم الغرب كتبنا عن بلادنا، نحن والأفارقة واللاتينيون الأمريكيون والآسيويون، ثم جاؤوا واحتلوا بلادنا بالقوة. خذوا بالاعتبار، كي تصدقوا، ما قاله نابليون بونابرت في خطاباته حين دخل مصر!
لا بد من الترجمة، ليس من أجل أن يعرف الغرب، وهم أسياد العالم، من نحن، وإنما من أجل أن نعرف نحن هذا الغرب، وكيف صار، وماذا فعل لتكون له هذه الصيرورة، وكيف استطاع أن يحافظ على ما حاز عليه، وكيف جمّل صورته، وأنقاها، وأضاءها، وفي رقبته ملايين الضحايا، والشواهد هي الحروب، وقيعان البحار والمحيطات، والغابات، وروائح البارود! كل هذه الشواهد مرصوفة بعظام الأبرياء، وأناتهم، وأحلامهم التي طُويت ودِيست!
نعم، كان محمود درويش علامة ذات وهج لن يتلاشى ولن يزول في الشعر العالمي، ولم يُرشّح لجائزة نوبل لألف سبب وسبب، ولكن من بينها سبب مهم وجوهري، هو عدم وجود ترجمات رصينة وافية ضافية لأشعاره المذهلة. وجبرا إبراهيم جبرا أديب أسطوري، فذّ بكل المقاييس، مبدع ذو خارقية، ولم يُرشّح أيضًا لجائزة نوبل لألف سبب وسبب، ولكن من بينها سبب الترجمة! بل أقول، غير هذا، خذوا تجربة الطاهر وطار، ابن الجزائر، وانظروا فيها. لقد كتب تاريخ ثورة الجزائر، وآلام الشهداء وأهاليهم، وكتب أحلامهم؛ أي إنه كتب ما نشدته بقعة جغرافية أرجوانية الدم والفعل والصدق، اسمها الجزائر. تُرى، ما الذي كان سيضر جائزة نوبل لو أنها مُنحت إليه؟ أليس في هذا مكسب عالمي عظيم، يتيح معرفة بطولة شعب سكن الجبال والغابات والشطوط بسبب الظلم الوحشي، ثم انتصر وقال لسكان العالم: «اشهدوا!»؟ لقد كانت الترجمة سببًا من أسباب حالت دون معرفة ما قاله صاحب «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» المعرفةَ الجديرةَ بتجربته!
وبعد، ها نحن نرى أن الغرب هو الغرب؛ لأنه آمن بالمرتكزات الجوهرية، وما زال يحافظ عليها، ومنها معرفة العالم، أي معرفة الآخرين، والتنظيم، وامتلاك المال والقوة والوسائل، ومنها الترجمة. فغدا في صدارة المشهد، وعلى من يريد أن يعرف معاني الحضور، ونحن من هؤلاء، أن يعتمد على هذه المرتكزات، ويعمل بها ولأجلها. وعندئذ سنعيش بلا أوهام، وتصير الحقائق تمشي معنا على ضفاف الأنهار، وفي الحدائق، وتدخل معنا إلى حجرات الموسيقى أيضًا.
مواضيع ذات صلة