عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 16 أيلول 2026

الدول الأوروبية التي لم تعترف بفلسطين.. ماذا تنتظر؟

باسم برهوم

هناك 35 دولة أوروبية تعترف بالدولة الفلسطينية من أصل 44 دولة. وعلى مستوى العالم كله هناك 157 دولة تعترف هي الأخرى بالدولة الفلسطينية من أصل 193 الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة. وفي العامين الماضيين اعترفت دول أوروبية مهمة بالدولة الفلسطينية، في مقدمتها فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وبلجيكا وآيرلندا والبرتغال، وقبل ذلك بعقود كانت روسيا ودول شرق أوروبا قد اعترفت مبكرا بالدولة الفلسطينية، عندما أعلن ياسر عرفات عن قيامها من الجزائر عام 1988.

بالمقابل، هناك دول أوروبية مهمة لم تعترف بعد بالدولة الفلسطينية، ومن أبرز هذه الدول، ألمانيا وإيطاليا وهولندا واليونان والنمسا. وإذا أخذنا بالاعتبار الحساسية الألمانية تجاه إسرائيل واليهود عموما، لأسباب لها علاقة بالمحرقة النازية خلال الحرب العالمية الثانية، فإن عدم اعتراف الدول الأوروبية الأخرى لم يعد مفهوما ولا مقبولا في وقت تعلن فيه هذه الدول دعمها لحل الدولتين، وإقامة سلام عادل وشامل في منطقة الشرق الأوسط.

الآن لن نسأل هذه الدول لماذا هذا التردد والامتناع عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ولكن يمكن أن نسأل: لماذا الاعتراف مهم وضروري؟

بغض النظر عن حسابات المصالح لكل دولة وهي أحيانا حسابات سياسيين وأحزاب وليس دولا وشعوبا، فإن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يعني اختيار طريق السلام والاستقرار، ومنع وقوع مزيد من الحروب في الشرق الأوسط، والتي ما إن تندلع في كل مرة حتى تصل آثارها فورا إلى أوروبا والعالم بشكل عام. والاعتراف بالدولة الفلسطينية هو انحياز للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة، وما يمكن أن يعزز احترام القانون الدولي يسهم تلقائيا في تعزيز السلام العالمي، وضمان تحقيق مصالح الدول بسلاسة وانتظام، وبالتأكيد فإن الاعتراف بالدولة الفلسطينية فيه مصلحة أوروبية مباشرة، فما إن تستقر أحوال منطقة الشرق الأوسط فهذا يعني توقف، أو تدفق أعداد أقل بكثير من المهاحرين وتصدير الأزمات إلى أوروبا، وهو يعني توترا أقل مع الشرق القريب، والذي يمثل موقعا إستراتيجيا عالميا، وموطنا للثروات الطبيعية وخاصة الطاقة وسهولة تدفقها باستمرار.

وبعيدا عن كل ما سبق فالاعتراف يمثل انحيازا للعدل والإنصاف، فكيف يمكن أن يترك شعب طوال هذا الوقت محروما من حقه في تقرير المصير، وحقه المنصوص عليه في قرارات الأمم المتحدة بالاستقلال ضمن دولة خاصة به، خصوصا أن القيادة الفلسطينية قالت في أكثر من مناسبة إن فلسطين ستكون دولة منزوعة السلاح ولن تهدد أحدا، وتكون نواة، أو فكرة لخفض التسلح في المنطقة، ومشروع سلام للمنطقة والعالم.

لقد حرم الشعب الفلسطيني على مدار عقود طويلة من إقامة دولته التي أصبح العالم أجمع، يؤكد على رغبته في تنفيذ حل الدولتين، علما أن إحدى الدولتين هي موجودة فعلا، ألا وهي إسرائيل، والثانية معروفة للعالم لكنها تخضع للاحتلال، وهي دولة فلسطين، التي تشمل الضفة الفلسطينية وقطاع غزة والقدس الشرقية المحتلة.

وإذا وضعنا ألمانيا جانبا، رغم أن ترددها في الاعتراف لا يمكن تبريره، خصوصا أنها تدعم حل الدولتين، فإن الحديث هنا سيتركز أكثر على إيطاليا واليونان وهولندا والنمسا وسويسرا. شعوب إيطاليا واليونان تحديدا في معظمها تدعم الاعتراف، وفي اليونان كما لمست أنا شخصيا خلال وجودي في هذا البلد، أن هناك جبهة عريضة تدعم هذا الاعتراف. فالغريب ألا تبادر الحكومة قي أثينا إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، خصوصا إذا نظرنا إلى الروابط التاريخية عميقة الجذور في التاريخ بين الشعبين الفلسطيني واليوناني؟

ويمكن التذكير هنا، أن البرلمان اليوناني كان قد عقد جلسة خاصة في 22 كانون الأول / ديسمبر 2015 حضرها الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء اليوناني آنذاك، ألكسيس تسيبراس وأعلن البرلمان بأغلبية ساحقة اعترافه بالدولة الفلسطينية. وقال تسيبراس: إن اليونان ستستخدم من الآن فصاعدا اسم فلسطين بدل السلطة الوطنية الفلسطينية، وهو ما اعتبر في حينه خطوة مهمة على طريق الاعتراف الكامل بدولة فلسطينية، خصوصا أن الدولة موجودة فعلا، لكنها تخضع للاحتلال الإسرائيلي ولا ينقصها سوى الاعتراف الدولي للتخلص من هذا الاحتلال وتحقيق حل الدولتين.

وكما حال اليونان فإنه من الغريب تردد إيطاليا في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، خصوصا أن البرلمان الإيطالي هو الآخر كان اعترف بالدولة الفلسطينية في شهر شباط / فبراير عام 2015، وأن إيطاليا وفلسطين لديهما علاقات متينة منذ أن كانت منظمة التحرير الفلسطينية تقود الكفاح الفلسطيني في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، وأن الشعب الإيطالي في معظمه هو أيضا يدعم مثل هذا الاعتراف.

نعود الآن للسؤال: لماذا تتردد هذه الدول الأوروبية في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بالرغم من أنها تدرك أهمية هذا الاعتراف للسلام العالمي والعدل والإنصاف، وتدرك مدى الظلم الذي تعرض له الشعب الفلسطيني على امتداد أكثر من مئة عام؟ فهذا السؤال وإن كان بالأساس موجها للحكومات، فإنه موجه أيضا وبالقدر نفسه إلى الشعوب التي بالضرورة عليها أن تمارس مزيدا من الضغط على حكوماتها وتدفعها للخروج من دائرة التردد والامتناع إلى دائرة صنع السلام عبر الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

وقد يرد البعض أن القضية الفلسطينية ليست وحدها ما يفجر الأوضاع في الشرق الأوسط، وأن هناك العديد من المشاكل والأزمات التي قد تتحول إلى حروب، ولكن من يتعمق في فهم الواقع في الشرق الأوسط، ويطلع بشكل كاف على تاريخه المعاصر سوف يكتشف أن القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو جذر الغالبية العظمى من أزمات الشرق الأوسط، وبالضرورة سيدرك كم هي المرات التي كانت الأطراف الإقليمية تستخدم القضية الفلسطينية لتبرير طموحاتها للتمدد في المنطقة، ولذلك تتكرر الحروب بلا توقف.