جغرافيا الزيتون الفلسطيني (الحلقة 2)
زيتونيات- فياض فياض

السلالات الأصيلة.. سر صمود "النبالي" و"السوري" وموسوعة الثلاثين صنفا للمرحوم علي نصوح الطاهر
بعد أن وضعنا في الحلقة الأولى الحجر الأساس لمفهوم "المؤشر الجغرافي السيادي" وكيف تتحول جغرافيا المكان إلى شهادة ميلاد قانونية لزيت الزيتون، ننتقل اليوم في الحلقة الثانية إلى تشريح الركن الأول والشرط الجيني الأبرز في هذه الهوية؛ وهو "السلالات والأنواع المستوطنة تاريخياً في فلسطين". فجودة زيتنا وشهرته الطبية والحسية العالمية لا تأتي مصادفة، بل هي نتاج شيفرة وراثية خارقة صقلتها جبال فلسطين وأوديتها عبر آلاف السنين.
وعند التوثيق التاريخي لهذه الثروة الجينية، يجب أن نستند إلى المراجع الأم والكتب الأصيلة؛ ولعل أبرزها الموسوعة المرجعية التاريخية الفذة للمرحوم علي نصوح الطاهر في كتابه الخالد "شجرة الزيتون"، حيث وثق بالدليل الميداني القاطع ما يقارب 30 صنفا من الزيتون مستوطنة وموجودة في جغرافيا فلسطين.
وتتوزع هذه الأصناف لتشكل تنوعاً بيئياً مذهلاً يضم أسماء وسلالات عريقة تداولها أجدادنا مثل: (النبالي البلدي، الصوري، النبالي المحسن، نبالي جبع (جنين)، نبالي برقين (جنين)، نبالي عتيل، نصوحي جبع رقم 1، المليصي الو شامي قباعة، شامي جبع، نصوحي جبع 2، خضاري جبع (جنين)، الخلي الكبير (بير نبالا)، حلبى جماعين، رصيصي-رصيعي (عتيل)، الجريدي، الذكاري الكبير (الرامة – ذكاري جبع الكبير ( جنين)- البري الكبير (دير الغصون)- ذكاري صغير- الذكاري الصغير دير الغصون – بري صغير (دير الغصون) –الدومى - الدقيمة – الرومي مرج بن عامر – الرومي بيت نبالا – البياضي – وسوف سنفرد لها فحصاً كيميائياً في أبحاثنا. ولكن، تظل هناك سلالتان هما الأكثر هيمنة وصموداً في الميدان:
1- الزيتون النبالي (البلدي): صمام أمان الجبال وعماد الصمود
يُعتبر الصنف النبالي البلدي هو العمود الفقري لزيتون الجبال في فلسطين. هندسياً وميدانياً، تمتاز هذه السلالة الوراثية بقدرة مذهلة على التكيف مع البيئات الصخرية القاسية والتحمل الفائق لسنوات الجفاف الطويلة وانحباس الأمطار، بفضل شبكة جذورها العميقة وتركيبتها الخلوية التي تقاوم التبخر وضياع الرطوبة. زيت "النبالي" البلدي يتميز بنكهته المتوازنة؛ فهو يمنحنا زيتاً ذا قوام مخملي ناعم، ومرارة متوسطة مقبولة جداً، ويحتوي على نسب ممتازة من حمض الأوليك الصحي.
2- الزيتون السوري (الصوري): سر التسمية والعبقرية الحسية (الشعطة والحدية)على الجانب الآخر، يقف الزيتون السوري (ويُعرف في بعض قرانا بـ "الصوري" نسبة إلى مدينة صور التاريخية التي كانت مركزاً لتصديره قديماً) كأحد أغنى الأصناف بالزيوت؛ حيث ترتفع فيه نسبة استخلاص الزيت كيميائياً وحسياً. ما يميز الزيتون السوري في المؤشر الجغرافي هو عبقريته الحسية الطاغية؛ فالمرارة الواضحة والحدية العالية، وخصوصاً "الشعطة الفواحة" في الحلق، هي الدليل العلمي القاطع على غنى هذا الصنف بمركبات "البوليفينول" ومضادات الأكسدة الطبيعية الفائقة التي تحمي الزيت من الأكسدة الذاتية والتزنخ، وتمنحه القدرة على المكث والتخزين لسنوات طويلة.
3- التفوق الجيني الفلسطيني في مواجهة السلالات المستحدثة
إن الربط بين مواصفات السلالات وثراء الاصناف الفلسطينيةً في قسم أبحاث الزيتون يقودنا إلى حقيقة هامة؛ وهي أن جينات شجرتنا الأصيلة في فلسطين تتفوق بشكل حاسم طبيعياً وطبياً على الكثير من السلالات الأوروبية المستحدثة والمعدلة وراثياً (المخصصة للمزارع المكثفة). فالأصناف المستحدثة قد تعطي إنتاجاً غزيراً في سنواتها الأولى، لكنها تفتقر تماماً للمحتوى الفينولي الطبيعي النادر وللأصالة الحسية (الشعطة والمرارة الزكية) التي تجعل من زيتنا دواءً شافياً قبل أن يكون غذاءً.
إن استيعاب هذا الإرث الجيني والتوثيق الموسوعي للمرحوم الطاهر هو الخطوة العملية الأولى لتثبيت حقوقنا الدولية؛ فالنوع والجينات هما ركيزة الملصق الجغرافي المحمي الذي سنعبر به إلى العالم، تمهيداً لحلقتنا الثالثة القادمة التي سننتقل فيها لدراسة العنصر الثاني للمؤشر الجغرافي وهو: أثر التضاريس والتربة والارتفاع عن سطح البحر بين المحافظات الفلسطينية في صياغة مواصفات الزيت.
مواضيع ذات صلة
الدول الأوروبية التي لم تعترف بفلسطين.. ماذا تنتظر؟
جغرافيا الزيتون الفلسطيني (الحلقة 2)
"بنات الحرية"..
جغرافيا الزيتون الفلسطيني (الحلقة 1)
اغتيال السمعة في عهد المنصات .. من يستفيد من ضرب الرموز والمؤسسات الفلسطينية؟
لماذا نحن -الفلسطينيين- نهتم بالانتخابات الإسرائيلية؟
من يملك الرواية يملك نصف المعركة