أم السفير التي انتظرت طويلا.. رحلت أمّ الحبيب بن فرح أمس
منير أبو رزق

لا أعرف أي الكلمات يمكن أن تليق بأمّ رحلت بعد عشرة أعوام من انتظار ابنها. عشر سنوات كانت فيها المسافة بين تونس وفلسطين أكبر من أن تقطعها الطائرات، وأثقل من أن تختصرها مكالمة هاتفية أو صورة عابرة.
عرفت الحبيب منذ أن وصل إلى غزة، قبل أكثر من ربع قرن، مستشارا أول لسفارة تونس. وأستطيع القول إنه دخل الدبلوماسية من البوابة الأكاديمية، وحمل إلى عمله ما يشبه اليقين بأن فلسطين ليست محطة في مسيرة موظف، وإنما مكان يضع الإنسان أمام أسئلته الكبرى.
هذا اليقين دفعه إلى اختيار البقاء في فلسطين، حين صار الخروج منها يعني أن العودة قد لا تكون ممكنة. وأستطيع القول إنه عاش، طوال هذه السنوات، ما يشبه الأسر الدبلوماسي؛ فلم يكن قادرا على التنقل بحرية بين محافظات الضفة الغربية أو مغادرة فلسطين، بحكم تصنيفه لدى سلطات الاحتلال كمقيم غير شرعي.
كنا نتحدث عن كل ما يدور حولنا، لكنه كان قليل الحديث عن أمه. وكان مما يعزّيه في ألم الفراق رضاها وتشجيعها له على البقاء في فلسطين. لم يكن يشكو الغياب، ولم يجعل من حكايته الشخصية قضية. كأن بعض الأحزان لا تحتاج إلى رواية؛ يكفي أن يعيشها صاحبها.
وربما كان الحبيب يرى حوله ما يجعله أكثر صمتا؛ أمهات غزة وجنين اللواتي ينتظرن أبناءهن، أو ينتظرن خبرا عنهم، أو يحملن صورهم بدلًا من أن يحملنهم إلى صدورهن.
فكيف يشكو الإنسان غياب أم، أمام كل هذا الفقد؟
ثم جاء الخبر.
رحلت الأم قبل أن ترى ابنها بعد عشرة أعوام من الغياب.
رحلت دون أن تلتقي عيناها بعينيه، ودون أن تمتد يدها إلى وجهه، ودون أن يأخذ ذلك العناق الذي تأخر طويلًا مكانه الطبيعي.
ربما كانت تنتظر أن يأتي يوم يعود فيه الحبيب إلى تونس، فتفتح له الباب كما تفعل الأمهات دائمًا، بلا سؤال عن السنوات التي مضت.
لكن الباب هذه المرة سيبقى مفتوحًا على غياب آخر.
فالحبيب، الذي اختار أن يبقى هنا، سيحمل من الآن وجه أمه في ذاكرته، بدل أن يحمله في عينيه.
وهذا أقسى ما في الحكاية.
إلى الحبيب بن فرح:
رحم الله أمك، وجبر قلبك.
وشكرا لك على ربع قرن من الحضور بيننا، حتى كان ثمن البقاء أن تفقد لحظة الوداع.
مواضيع ذات صلة
أم السفير التي انتظرت طويلا.. رحلت أمّ الحبيب بن فرح أمس
الشرق الأوسط وحروبه.. وحروب الآخرين
سلسلة تاريخ عصر الزيتون: ثورة "رافاناس" الهيدروليكية في القرن الـ 19 ومعادلة تعظيم الجفت (الحلقة 3)
من إرث "الإرغون" إلى "دويلة المستوطنين"!
طائرة ورقية.. ومعنى آخر
سلسلة تاريخ عصر الزيتون.. "البد" وتاريخ المعاصر الحجرية (الحلقة 2)
العناق.. بالذراعين!